تتوارد الانباء المتضاربة حول ما يسمى بالاتفاقيات الامنية التي يجري التفاوض بشأنها والمزمع توقيعها على هامش اجتماعات نيويورك. والحقيقة ان ما يطرح ليس مجرد اتفاقيات امنية بل قد يحمل أبعادا استراتيجية بالغة الخطورة.
واذا صح ولو بعض ما يسرب فنحن امام كارثة، خصوصا أن الادارة الحالية بحاجة لتفويض قانوني صريح فهي لا تملك تفويضا شرعيا يخولها الجلوس على طاولة المفاوضات مع المحتل الاسرائيلي، فكيف الحال اذا كان الامر يتعلق بتوقيع اتفاقيات مع هذا الكيان؟ وبخاصة بعد ان شهدنا منذ ايام توقيع اتفاقية ثلاثية بين سورية ودول أخرى حول إجراءات مرتبطة بمحافظة سورية.
لا بد من التنبه الى انه حتى في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، فان مكانة سورية دولة وشعبا وقوتها الاستراتيجية الكامنة لا يمكن اختزالها في لحظة ضعف عابرة او بقرار قد تتخذه حكومة انتقالية؛ فالموضوع يتجاوز حدود الشعارات ليطال جوهر القضية الوطنية، ويمتد الى عمق صراع شعوب بلاد الشام وامتداداتها العربية والاسلامية مع المشروع الصهيوني… وهو مسألة جذرية تتعلق بمستقبل الاجيال القادمة التي لا يجوز التعامل مع مصيرها من منطلق ضعف مرحلي او حسابات ضيقة.
ان غياب الشفافية والتعامل المتعجل مع مثل هذه الملفات المصيرية يفتح ابواب الشر على مصاريعها. والشعب السوري يملك من الوعي وعمق الانتماء ما لا يمكن لاحد انكاره، ويضم هذا الشعب قامات وطنية من رجال الدولة والسياسة ما لا يمكن تجاهله او اقصاؤه، فكيف اذا كان الامر يتصل بالارض والمستقبل وجوهر الصراع في المنطقة.
لقد دفعت الامة العربية والاسلامية ثمن اتفاقيات الاستسلام منذ كامب ديفيد، حينما اختصر الرئيس السادات الدولة بنفسه قائلا عبارته الشهيرة “أنا الدولة والدولة أنا”، معتقدا انه يحسن صنعا في مقاربته للتعامل مع العدو الصائل، بينما كانت النتيجة كارثية، اذ توالت المصائب التي صبتها اسرائيل على اهل المنطقة، من اجتياح لبنان وصولا الى لحظة التغول الراهن.
ولا يمكن القبول باي مسار يقصي الشعب السوري او يضعه امام الامر الواقع وأود التاكيد بأن المسألة ليست قضية ثقة في الادارة الحالية بل هي انعكاس لجملة من القضايا منها التمثيل والخبرة والشرعية والمشروعية والمشروع الوطني. واعتقد بأن أي انزلاق في الفخ الراهن يعني اخراج سورية من دائرة التأثير الاقليمي لفترة غير متناهية، وذلك سيمثل خطأ تاريخيا لا يمكن تبريره بذريعة ارتكاب النظام السابق لأخطاء وموبقات ولا عبر مقارنات سطحية.
لدينا أوراق قوة لا يجوز التفريط بها، فإن لم يدرك السوريون جميعا، سلطة وشعبا، حقيقتها ويجعلوا منها منطلقا لموقف موحد، ويرفعوا صوتهم عاليا، ويجمعوا عناصر قوتهم، فإنهم سيجدون أنفسهم في مسار من التراجع والانحدار…
وان كنا لا نستطيع ادراك كل الغايات، فعلى الاقل لا نفرط بالموقف وما لا يدرك جله لا يترك كله،
وقد رغبت أن أسطر هذه الكلمات لأبنائنا الذين يتساءلون ثم للتاريخ، اللهم قد بلغت…










