فيروس ماربورغ في إثيوبيا تحول خلال أيام قليلة من مجرد اشتباه في حالات حمى نزفية جنوب البلاد إلى أول تفشٍّ رسمي للفيروس القاتل في تاريخ الدولة الإفريقية، مع ارتفاع مستمر في أعداد الإصابات والوفيات وقلق إقليمي ودولي متزايد من احتمال اتساع دائرة العدوى.
البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة الإثيوبية ومنظمات دولية تؤكد أن البلاد تسابق الزمن لعزل الحالات، تتبع المخالطين، وتعزيز قدرات النظام الصحي في مدن مثل جينكا وهواسا وسيداما للسيطرة على الفيروس الذي قد تصل نسبة الوفيات به إلى 88% في بعض التفشيات.
أعلنت وزارة الصحة الإثيوبية منتصف نوفمبر عن رصد حمى نزفية في مدينة جينكا بجنوب البلاد، قبل أن تؤكد الفحوص المخبرية أن الأمر يتعلق بفيروس ماربورغ، في أول تفشٍّ من نوعه داخل إثيوبيا.
منظمة الصحة العالمية أوضحت أن العينات التي جرى تحليلها في المختبر المرجعي الوطني أظهرت تشابهًا مع سلالات سبق رصدها في شرق إفريقيا، ما يشير إلى نمط إقليمي لانتقال الفيروس في السنوات الأخيرة.
حتى 20 نوفمبر تحدثت منظمة الصحة العالمية عن ست حالات مؤكدة مختبريًا، بينها ثلاث وفيات وثلاث حالات تتلقى العلاج، إضافة إلى ثلاث حالات أخرى مرتبطة وبائيًا توفيت قبل تأكيد التشخيص، مع أكثر من 200 مخالط خاضعين للمتابعة النشطة.
وفي تحديثات لاحقة، أعلنت السلطات الإثيوبية ووسائل إعلام دولية عن ارتفاع العدد الإجمالي إلى نحو عشرة أو أحد عشر مصابًا مؤكدًا، مع تسجيل خمس إلى ست وفيات، ما يعكس ارتفاعًا في معدل الإماتة يقارب 50% في هذه المرحلة المبكرة من التفشي.
المناطق المتضررة وخطورة الانتشار
تركزت الحالات الأولى في جينكا ضمن إقليم جنوب إثيوبيا، قبل الإبلاغ عن حالات مؤكدة ومشتبه بها في مناطق أخرى مثل هواسا وسيداما وسودو، وهو ما دفع وزارة الصحة إلى توسيع نطاق الترصد الوبائي وإجراءات الاستجابة.
تقارير إنسانية وصحية أشارت إلى رصد عشرات الحالات المشتبه بها في أكثر من مدينة، مع تفعيل فرق الاستجابة السريعة وتعزيز خدمات الرعاية الأولية وتوفير مختبر متنقل في جينكا لتسريع الفحوص وتقليل الحاجة لنقل العينات لمسافات طويلة.
منظمة الصحة العالمية قيّمت مستوى الخطورة على أنه “عالٍ” على الصعيد الوطني، مشيرة إلى عوامل مقلقة من بينها: وجود عاملين صحيين ضمن المصابين، محدودية المعلومات عن مصدر العدوى، ووقوع بعض الوفيات مع إجراءات دفن غير آمنة، ما يزيد من احتمال انتقال المرض داخل المجتمع.
كما دعت إلى مشاركة العينات مع مختبرات مرجعية خارجية للتحقق المتبادل من النتائج ودعم فهم أفضل لطبيعة السلالة المنتشرة.
استجابة الحكومة والشركاء الدوليينالحكومة الإثيوبية أعلنت حالة استنفار صحي في الأقاليم المتضررة، مع تكثيف جهود تتبع المخالطين، عزل الحالات، وتدريب الكوادر الطبية على التعامل مع حالات الحمى النزفية.
تقارير إغاثية وصحية ذكرت أن وزارة الصحة تعمل بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف ومراكز مكافحة الأمراض في إفريقيا والولايات المتحدة لتوفير معدات الحماية الشخصية والأدوية الأساسية وبرامج التوعية المجتمعية.
الاتحاد الحكومي للتنمية (إيغاد) سارع بدوره لعقد اجتماع طارئ على المستوى الإقليمي عبر مشروع الاستعداد للأوبئة، لمناقشة تداعيات التفشي في جنوب إثيوبيا وسبل منع انتقاله إلى دول الجوار.
وركّز الاجتماع على تنسيق إجراءات المراقبة على الحدود، وتبادل المعلومات الوبائية، وبناء قدرات الدول الأعضاء على الاستجابة السريعة، في ظل ازدياد التفشيات الفيروسية النزفية في شرق إفريقيا خلال السنوات الأخيرة.
طبيعة فيروس ماربورغ ومخاوف الشارع
فيروس ماربورغ ينتمي لعائلة الفيروسات الخيطية نفسها التي تضم الإيبولا، ويتسبب في حمى نزفية حادة قد تصل نسبة الوفيات فيها إلى نحو 88% في بعض التفشيات بحسب المعطيات التاريخية، خاصة في المناطق ذات الأنظمة الصحية الهشة.
ويُعتقد أن خفافيش الفاكهة هي الخزان الحيواني الرئيس للفيروس، مع انتقاله للبشر عبر مخالطة إفرازات الحيوانات أو اللحوم الملوثة، ثم انتقاله بين البشر عبر سوائل الجسم والملامسة المباشرة.
التقارير الطبية من إثيوبيا وصفت الأعراض لدى المرضى بارتفاع شديد في درجة الحرارة، صداع، قيء، آلام في البطن، وإسهال مائي أو دموي، مع ظهور علامات نزف مثل رعاف أو تقيؤ دموي في عدد من الحالات المتقدمة، ما يعكس صورة سريرية قاسية كثيرًا ما ترتبط بفشل متعدد الأعضاء.
وبسبب عدم توفر لقاح معتمد أو علاج نوعي حتى الآن، تتركز الاستجابة على الرعاية الداعمة الصارمة، وعزل المصابين، وحماية العاملين الصحيين، ما يثير قلق الشارع المحلي ويزيد من حجم الشائعات حول الفيروس وخطورته.
البعد الإقليمي واحتمالات المستقبلإقليم شرق إفريقيا عرف خلال الأعوام الماضية تفشيات متكررة لماربورغ في دول أخرى، وهو ما جعل خبراء الصحة العامة يتحدثون عن “حزام فيروسي” جديد يتقاطع مع مناطق انتشار خفافيش الفاكهة وحركة السكان عبر الحدود.
لذلك يحرص كل من منظمة الصحة العالمية والمراكز الإقليمية على استغلال تفشي إثيوبيا لتعزيز البنية التحتية للترصد المخبري والوبائي، باعتبار أن أي تأخر في احتواء الحالات الأولى قد يضع المنطقة أمام موجات عدوى أكثر اتساعًا.
ورغم الصورة القاتمة، يشير خبراء إلى أن سرعة اكتشاف التفشي الحالي، ونشر فرق متخصصة ومختبرات متنقلة، وتفعيل أنظمة تتبع المخالطين، قد يمنح إثيوبيا والمنطقة فرصة حقيقية لكسر سلاسل العدوى قبل تحولها إلى أزمة كبرى، بشرط استمرار التمويل والتنسيق والشفافية في مشاركة البيانات.










