قطر لم تعلن رسميًا أنها «ساعدت» الولايات المتحدة أو الرئيس دونالد ترامب في اعتقال نيكولاس مادورو، لكن هناك معطيات قوية عن دور وساطة قطري وقنوات تواصل سرية كانت نائبة الرئيس السابقة والرئيسة الحالية ديلسي رودريغيز أحد أهم وجوهها، وهو ما فتح باب روايات عن «صفقة في الظل» ساهمت في تهيئة الأرضية السياسية والاستخبارية للعملية الأمريكية.
حتى الآن تظل هذه الفرضية في إطار التسريبات والتحقيقات الصحفية والتحليلات، وليست «اعترافًا» رسميًا من واشنطن أو الدوحة أو كاراكاس.
خيوط الرواية: من الدوحة إلى كاراكاس
تقاطعت فى الأيام الأخيرة تسريبات صحفية وتحليلات سياسية لتقدم صورة معقدة عن خلفيات العملية الخاطفة التى نفذتها قوات أمريكية خاصة وأدت إلى اعتقال نيكولاس مادورو من داخل واحد من أكثر المجمعات العسكرية تحصينًا فى فنزويلا.
تقارير فى صحف ومواقع دولية تحدثت عن مفاوضات سرية طويلة بين مسؤولين أمريكيين وبين ديلسي رودريغيز، التى صعدت بسرعة من موقع نائبة الرئيس إلى موقع الرئيسة المؤقتة بعد إلقاء القبض على مادورو، وأن هذه اللقاءات جرت فى الدوحة برعاية من شخصية بارزة من العائلة الحاكمة القطرية.
فى موازاة ذلك، أكدت الدوحة رسميًا أن هناك بالفعل قنوات تواصل مع رودريغيز «فى إطار جهود الوساطة» بين واشنطن وكاراكاس، مقدمة نفسها كوسيط يسعى إلى تجنيب فنزويلا مزيدًا من الانهيار والحصار، من دون الاعتراف بأى دور مباشر فى الترتيب للخيار العسكرى الذى انتهى باقتحام المجمع الرئاسى واعتقال مادورو
هذا التناقض بين صورة «الوسيط المحايد» فى الخطاب الرسمى، وصورة «الوسيط المنخرط» فى التسريبات الإعلامية، هو ما يغذى اليوم سرديات المعارضة والروايات المتداولة عن صفقة ثلاثية بين قطر وواشنطن وديلسي رودريغيز.
ما الذى تقوله التسريبات عن دور قطر؟
التحقيقات المنشورة فى صحف ومواقع دولية تذهب إلى أن قطر وفرت منصة آمنة للقاءات متعددة بين مبعوثين أمريكيين وشخصيات فنزويلية نافذة، فى مقدمتها ديلسي رودريغيز وشقيقها خورخي رودريغيز رئيس البرلمان، منذ أشهر طويلة قبل الإنزال العسكرى الأمريكى.
هذه اللقاءات، بحسب تلك المصادر، أفرزت حزمة سيناريوهات تحت عنوان «مادورية بلا مادورو» تهدف إلى الحفاظ على بنية النظام مع التضحية بالرئيس الذى تحول إلى عبء داخلى وخارجي.
أحد التقارير تحدث عن مقترحين رئيسيين: الأول بقاء مادورو داخل البلاد مع ضمانات أمنية وانتقال الرئاسة إلى ديلسي، والثانى خروجه إلى المنفى (تركيا أو قطر) مقابل فتح الباب أمام استثمارات أمريكية واسعة فى قطاعات النفط والغاز، وهى صيغة تتقاطع مع مصالح الطاقة القطرية واستثماراتها العالمية.
غير أن إدارة ترامب – وفقًا للمواد المنشورة – رفضت أى سيناريو يبقى فيه مادورو حرًا داخل فنزويلا، ما فتح الطريق تدريجيًا لخيار القبضة الحديدية: عملية عسكرية خاصة تطيح بالرجل وتُبقى الباب مواربًا أمام شراكة مع رموز من نفس النظام، فى مقدمتهم ديلسي رودريغيز.
ديلسي بين خطاب المقاومة وصفقة البقاءفى العلن، ظهرت ديلسي رودريغيز بعد اعتقال مادورو بوصفها صوت «المقاومة»؛ أدانت «العدوان العسكرى غير المسبوق» وطالبت بالإفراج الفورى عن الرئيس، وتحدثت عن أن فنزويلا «لن تكون أبدًا مستعمرة لأى إمبراطورية».
لكن تقارير صحفية أخرى رسمت صورة مختلفة خلف الكواليس، إذ تحدثت عن أنها قدمت نفسها للجانب الأمريكى باعتبارها «البديل المقبول» القادر على ضمان انتقال منضبط يفتح اقتصاد البلاد أمام الشركات الأمريكية ويحفظ فى الوقت نفسه مصالح النخبة الحاكمة.
هذه الازدواجية بين خطاب علنى نارى وسلوك تفاوضى برجماتى غذّت اتهامات داخل معسكر تشافيز نفسه بأن ديلسي «باعت» الرئيس لصالح صفقة مع واشنطن، باستضافة وتسهيل من قطر التى لطالما لعبت دور الوسيط بين الولايات المتحدة وخصومها فى ملفات أخرى.
فى المقابل، تشير تقارير أمريكية إلى أن العملية العسكرية اعتمدت أيضًا على مخبر رفيع داخل أجهزة النظام ساعد الاستخبارات فى تحديد مكان مادورو قبل دقائق من الاقتحام، ما يعزز فرضية الانقلاب من الداخل أكثر من «صفقة» بين دولتين فحسب.
هل ساعدت قطر ترامب فى «اعتقال» مادورو؟
من منظور قانونى ورسمي، لا توجد وثيقة أو تصريح أمريكى أو قطرى يتحدث صراحة عن «مساعدة قطرية» فى العمل الاستخبارى أو العسكرى المباشر الذى انتهى باعتقال مادورو، بل تتحدث البيانات عن «وساطة» و«تواصل» و«استضافة محادثات».
غير أن الخط الفاصل بين الوساطة السياسية والمساهمة العملية يصبح شديد الضبابية عندما تؤدى هذه اللقاءات إلى تهيئة الأرضية لاتفاقات انتقال سلطة، أو إلى كشف الانقسامات والولاءات المتحركة داخل النظام المستهدف، وهو ما استفادت منه واشنطن بوضوح وهى تبرر قانونيًا وسياسيًا عمليتها الخاطفة.
بالنسبة لخطاب المعارضة الراديكالى فى المنطقة، يكفى اجتماع عناصر الصورة: مفاوضات سرية فى الدوحة، صعود مفاجئ لديلسي إلى الرئاسة المؤقتة، انفتاح قطرى على لعب دور «عراب» بين واشنطن وكاراكاس، وتصريحات من ترامب، الذى أبدى استعدادًا للتعامل مع النظام من دون مادورو، ليتحول الأمر إلى سردية كاملة عن «تحالف قطرى – أمريكى – ديلسى» أطاح برأس الثورة البوليفارية.
لكن صحفيًا، يظل من الضرورى التمييز بين ما هو ثابت بوثائق وشهادات، وما يدخل فى خانة التأويل السياسى، والإشارة بوضوح إلى أن اتهام قطر بـ«المشاركة المباشرة» فى اعتقال مادورو يبقى حتى الآن استنتاجًا من خصومها أكثر منه حقيقة معترَفًا بها من الأطراف الرسمية المعنية.










