تصدع المحور الخليجي يعكس صعود نموذج إماراتي مستقل وإعادة هندسة النفوذ في الشرق الأوسط
– مع مرور أكثر من عقد على نشوء التحالف السعودي-الإماراتي بعد عام 2011، تتضح اليوم خطوط التصدع بين الرياض وأبوظبي على نحو لم يعد مجرد خلاف تكتيكي أو سياسي مؤقت، بل تحول إلى منافسة بنيوية على النفوذ الإقليمي والسيطرة على الممرات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
أسباب التصدع الاستراتيجي وجوهر الخلاف:
نشأ التحالف بين السعودية والإمارات على قاعدة مخاوف مشتركة من الاضطراب الإقليمي، ونفوذ الحركات الإسلامية، والتمدد الإيراني. لكن منذ البداية، ظهرت فروقات جوهرية في تصورات كل طرف حول السلطة وأدوات النفوذ:
• السعودية: فاعل محافظ يركز على وحدة الدولة، الاستقرار طويل الأمد، وضبط الفاعلين، حتى لو كان ذلك على حساب سرعة الحسم أو النتائج الفورية.
• الإمارات: نموذج مرن واستراتيجي يسعى لتوسيع النفوذ عبر التمويل، التسليح، وفتح جبهات متعددة، خارج الإطار السعودي التقليدي، مع القدرة على إدارة صراعات متزامنة وتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية مستقلة.
الشرارة الأولى: قصف ميناء المكلا اليمني
بلغ الصدع ذروته في 30 ديسمبر 2025، عندما شنت السعودية غارات جوية استهدفت شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات في ميناء المكلا اليمني. هذه العملية، وفق تقارير CNN في 5 يناير 2026، لم تكن مجرد حادث تكتيكي، بل أعادت تعريف العلاقة بين الحليفين إلى صدام مباشر على الأرض، محوّلة الاختلاف الاستراتيجي إلى احتواء نشط
القرن الإفريقي والسودان أولى بوادر التصدع
تجلى أول صدع حقيقي في السودان وصوماليلاند، حيث اتبعت السعودية مقاربة الحفاظ على الدولة واستقرارها، بينما استخدمت الإمارات النفوذ المالي والعسكري لدعم قوى محلية وكيانات انفصالية، بهدف تشكيل موازين قوة مستقلة.
• في السودان، دعم الإمارات “قوات الدعم السريع” بهدف تعزيز النفوذ في موازين القوة، بينما رأت السعودية الحفاظ على المؤسسات الرسمية كأولوية.
• في صوماليلاند، استثمرت الإمارات في الموانئ والبنية التحتية لبناء نفوذ موازٍ، بما في ذلك إنشاء قواعد عسكرية وتأمين مواقع استراتيجية قرب مضيق باب المندب، ما أثار مخاوف الرياض حول السيطرة المشتركة على البحر الأحمر.
وبلغ حجم الاستثمارات الاماراتية 440 مليون دولار في ميناء بربرة في صوماليلاند.
البحر الأحمر والتطبيع مع إسرائيل
الاختلاف بين الرياض وأبوظبي اتسع ليشمل البحر الأحمر ومسار التطبيع مع إسرائيل. ترى السعودية البحر الأحمر ممرًا أمنيًا حيويًا لصادرات الطاقة والملاحة، فيما تعتبر الإمارات الشريان التجاري الرابط بين الخليج وشرق إفريقيا، مما حول المنطقة إلى ساحة تنافس على النفوذ والهيمنة.
كما أثار تطبيع الإمارات مع إسرائيل قلق السعودية، ليس على التطبيع نفسه، بل على إدراج إسرائيل في صياغة النظام الإقليمي دون أولوية سعودية، وهو ما قد يغير موازين القوة والتأثير في المنطقة
كمل أدت الخطوة الإماراتية في تسهيل اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في 26 ديسمبر 2025 إلى زيادة حدة التوتر. إذ اعتبرت السعودية ذلك خرقًا للإطار القانوني الدولي ومؤشرًا على سياسة إماراتية تهدف إلى بناء تحالفات مستقلة خارج الهيكل الإقليمي التقليدي.
الساحة السورية وإعادة تدوير النظام
على الصعيد السوري، تبنت السعودية مقاربة براغماتية لإعادة إدماج دمشق ودعم الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، في حين ركزت الإمارات على إعادة تدوير النظام القديم واستثمار شبكاته الاقتصادية والسياسية، بما في ذلك شخصيات مثل رامي مخلوف وعائلة قاطرجي.
• الرياض ترى في هذا النهج تهديداً للاستقرار طويل الأمد، فيما تعتبر أبوظبي الاحتفاظ بالشبكات القديمة وسيلة لتعزيز نفوذها السياسي والاستراتيجي في المنطقة.
• استخدام الإمارات لسياسات الهوية في مناطق الأقليات السورية، مثل السويداء، يثير مخاوف سعودية من تفكيك مجتمعات محلية واستغلال الهويات كأداة نفوذ سياسي.
اليمن: نقطة انكشاف وليس سبب التصدع
أشارت تقارير CNN إلى أن التصعيد الأخير في اليمن قد يكون نتيجة معلومات مضللة تلقتها الإمارات، تفيد أن ولي العهد السعودي ضغط على واشنطن لفرض عقوبات على أبوظبي. رغم أن السعودية نفت ذلك، إلا أن الضرر وقع على الثقة المؤسسية بين الطرفين، ما دفع الإمارات إلى تحريك وكلائها في محافظات حضرموت والمهراء اليمنيتين.
وتوضح التجربة اليمنية كيف تحولت الحرب المشتركة ضد الحوثيين من تحالف استراتيجي إلى مواجهة بين النموذجين:
• السعودية سعت إلى دولة يمنية موحدة لضمان الأمن والاستقرار.
• الإمارات ركزت على الجنوب والموانئ والجزر، معتبرة اللامركزية أداة نفوذ أكثر فعالية، ما أدى إلى توترات واضحة مع الرياض حول المجلس الانتقالي الجنوبي.
المنافسة البنيوية تسيطر على التحالف الخليجي
التنافس بين السعودية والإمارات أصبح صراعاً هيكلياً لا مؤقتاً، مع صعود نموذج إماراتي قادر على إعادة هندسة النفوذ الإقليمي عبر السيطرة على الموانئ والجزر وفتح جبهات جديدة، بينما تحاول السعودية الحفاظ على رؤية الدولة المركزية والاستقرار الطويل الأمد.
ويظل البحر الأحمر واليمن وسورية والساحل الإفريقي أبرز الميادين التي تعكس التحدي البنيوي بين نموذجين متعارضين لإدارة القوة وصناعة النفوذ في الشرق الأوسط.











