قناة بمليارات بلا سفن: كيف كشفت أزمة ميرسك هشاشة الرهان المصري على العبور البحري؟
تعود أزمة شركة «ميرسك» مع قناة السويس إلى قرار عملاق الشحن الدنماركي قبل نحو عامين وقف عبور جزء كبير من أسطوله عبر الممر المصري الحيوي، بعد تصاعد هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، الأمر الذي وجّه ضربة قاسية لإيرادات القناة والاقتصاد المصري وأربك سلاسل الإمداد العالمية بين آسيا وأوروبا
وبرغم أنّ الخلاف لم يكن نزاعًا مباشرًا مع هيئة قناة السويس بقدر ما كان خلافًا على «جدوى وخطورة المسار»، فإنّ تأثيره بدا كأزمة مكتملة الأركان، قبل أن يبدأ مسار احتواء تدريجي توّج باتفاق استراتيجي وقرار من «ميرسك» بالعودة الهيكلية إلى مسار البحر الأحمر–قناة السويس مع مطلع 2026.
جذور الأزمة ومسار التصعيد
بدأت ملامح الأزمة أواخر 2023 مع تصاعد هجمات الحوثيين على السفن في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، ما دفع «ميرسك» وغيرها من الخطوط الكبرى لتحويل مسار مئات السفن حول رأس الرجاء الصالح بدعوى الحفاظ على سلامة الأطقم والشحنات.
هذا القرار حرم قناة السويس من جزء مهم من حركة الحاويات العابرة، في وقت كانت فيه مصر تراهن على تحقيق إيرادات تتجاوز 10 مليارات دولار سنويًا من القناة، ما أدى إلى خسائر بمليارات الدولارات واضطر هيئة القناة لتقديم تخفيضات واسعة ورسائل طمأنة متكررة للشركات.
أبعاد اقتصادية وقانونية ضاغطة
أزمة العلاقة مع «ميرسك» لم تُولد في فراغ، إذ سبق للشركة أن دخلت في نزاع تعويضات ضخم بسبب حادثة السفينة «إيفر غيفن» التي عطلت القناة ستة أيام في 2021، ورفعت دعوى أمام القضاء الدنماركي للحصول على عشرات الملايين من الدولارات تعويضًا عن تأخير سفنها، قبل تسوية النزاع لاحقًا.
تسببت التحويلات الواسعة لمسار السفن في رفع تكاليف الشحن العالمي، لكنها في الوقت نفسه ضغطت على قناة السويس لإعادة النظر في سياستها التسعيرية وتعزيز حوافز العبور، ما جعل الخطوط الكبرى، وعلى رأسها «ميرسك»، في موقع أقرب إلى «الطرف المُملي» منه إلى الشريك المتساوي.
اتفاق نوفمبر 2025: إنقاذ متبادل أم تحالف ضرورة ؟
في نوفمبر 2025، وقّعت هيئة قناة السويس اتفاقية شراكة استراتيجية جديدة مع مجموعة A.P. Moller – Maersk، قُدمت باعتبارها «نقطة تحول» تمهّد لعودة أسطول الشركة تدريجيًا لعبور القناة واستعادة جزء مهم من الإيرادات المفقودة خلال 2024–2025.
مسؤولو «ميرسك» وصفوا القناة بأنها «شريك استراتيجي محوري» وربطوا قرار العودة بتحسن الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر واستقرار الملاحة، مع تأكيد أن الشركة احتفظت خلال الأزمة بخيار العودة متى توفرت معايير الأمان الكافية، في رسالة ضمنية بأن قرار الهجر كان ورقة ضغط وليست قطيعة نهائية.
عودة تدريجية.. وشروط غير معلنة
مع بداية 2026، أعلنت «ميرسك» استئناف خدمة MECL كخدمة ثابتة عبر البحر الأحمر وقناة السويس، بعد نجاح عبور سفن مثل «ميرسك سيباروك» و«ميرسك دنفر» بسلام، على أن تبدأ سفن أخرى مثل «كورنيليا ميرسك» و«ميرسك ديترويت» اعتماد المسار الجديد بشكل منتظم.
الشركة تحدثت عن «عودة هيكلية» لخدمة تربط الشرق الأوسط والهند بالساحل الشرقي للولايات المتحدة، في خطوة وُصفت بأنها «حجر الزاوية» في خطة أوسع للعودة التدريجية لباقي الخدمات، ما يعني أن قناة السويس ما زالت تحت الاختبار، وأن استدامة العبور مرهونة باستمرار تحسن الوضع الأمني في البحر الأحمر.
كيف تأثرت قناة السويس وماذا كسبت ميرسك؟
خسرت القناة خلال فترة الأزمة جزءًا من مكانتها كمسار لا بديل عنه، إذ أثبتت خطوط الشحن الكبرى قدرتها على إعادة تشكيل طرق التجارة ولو بتكلفة أعلى، ما كشف هشاشة الاعتماد المصري المفرط على ريع ممر واحد تحكمه حسابات أمنية وجيوسياسية لا تملك القاهرة السيطرة الكاملة عليها.
في المقابل، نجحت «ميرسك» في فرض شروطها غير المعلنة: أمن مضمون، وتخفيضات تنافسية، وشراكة استراتيجية تحسّن هامش ربحها وتمنحها مرونة في التحول بين مسار القناة ورأس الرجاء الصالح وفق تقديرها للمخاطر، بينما تحاول مصر استعادة توازنها المالي وجاذبية قناتها في سوق شحن باتت تتحكم فيه الشركات أكثر من الدول.










