تعاون تعليمي مثير للجدل بين الإمارات وإسرائيل: تطوير مناهج أم إعادة صياغة للوعي العربي؟
خلفية التعاون الإماراتي الإسرائيلي في التعليممنذ توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020 تحوّل التعاون بين الإمارات وإسرائيل من مستوى دبلوماسي واقتصادي إلى شراكات عميقة في قطاع التعليم، شملت المناهج والتبادل الأكاديمي والبرامج المشتركة للطلاب والمعلمين
وتؤكد وثائق رسمية واتفاقيات ثنائية أن التعليم بات أحد المسارات الأساسية لترسيخ التطبيع على المدى البعيد عبر توجيه المحتوى المقدم للأجيال الجديدة
في نوفمبر 2021 وُقّع مذكرة تفاهم رسمية بين وزارتي التعليم في الإمارات وإسرائيل تغطي التعليم العام والعالي والتقني والمهني، مع إنشاء لجنة مشتركة لإدارة هذا التعاون.
وتضمنت المذكرة بنوداً واضحة لتبادل المعلومات والخبرات التعليمية وفتح قنوات مباشرة بين المؤسسات الأكاديمية في البلدين.
تطوير المناهج: من “السلام” إلى إعادة صياغة السردية
أحد أبرز ملامح التعاون ظهر في مضمون المناهج الإماراتية نفسها، إذ تشير دراسات متخصصة إلى إدماج اتفاقات أبراهام في كتب التربية الإسلامية والاجتماعيات لصفوف متعددة، مع تقديم التطبيع بوصفه خياراً مشروعاً دينياً وسياسياً واقتصادياً.
وتذكر تقارير رقابية أن الكتب الجديدة حذفت عبارات وسياقات كانت تميل إلى تصوير إسرائيل بصورة سلبية، واستبدلتها بخطاب عن “التسامح” و”التعايش” و”السلام الإقليمي”.
في المقابل، ما زالت خرائط بعض المناهج الإماراتية تخلو من تسمية “إسرائيل” صراحة، رغم الإشادة باتفاقات أبراهام داخل النصوص، في مفارقة تعكس محاولة الموازنة بين التطبيع الرسمي والحساسية الشعبية تجاه القضية الفلسطينية.
كما جرى التركيز على مفاهيم مثل “المواطنة العالمية” و”التنمية المستدامة” و”التنوع الديني”، ما يجعل خطاب الصراع أقل حضوراً وأكثر التفافاً خلف لغة قيمية عامة.
برامج مشتركة وتبادل أكاديمي
التعاون لم يتوقف عند حدود الكتب المدرسية، بل امتد إلى الجامعات والبرامج البحثية والتبادل الطلابي بين مؤسسات إماراتية وإسرائيلية.
وتشير تصريحات رسمية من وزراء التعليم وسفراء البلدين إلى اتفاقات على تبادل الطلبة والأساتذة، وتنظيم زيارات متبادلة وبرامج تدريب ومؤتمرات علمية مشتركة في مجالات التكنولوجيا والابتكار والتعليم.
كما تنص الاتفاقيات على تبادل الخبرات في مجالات معادلة الشهادات، وتكنولوجيا التعليم، والحلول الرقمية في العملية التعليمية، بجانب التركيز على دمج ذوي الإعاقة وذوي صعوبات التعلم في المدارس وفق نماذج متقدمة مطبقة في كلا النظامين.
وتُقدَّم هذه البرامج رسمياً كجزء من رؤية إماراتية بعيدة المدى تهدف إلى جعل الدولة من بين أفضل النظم التعليمية عالمياً بحلول عام 2071.
البعد السياسي والانتقادات المعارضة
رغم الخطاب الرسمي الذي يروج للتعاون بوصفه جسراً لـ”السلام” و”التسامح”، ترى أطراف عربية وفلسطينية أن ما يجري في قطاع التعليم يتجاوز التعاون التقني إلى محاولة إعادة تشكيل الوعي تجاه الاحتلال والقضية الفلسطينية
دراسات وتحقيقات صحفية تتهم أبوظبي باستخدام نفوذها التعليمي والمالي للضغط من أجل تنقيح المناهج الفلسطينية والعربية من أي محتوى يعتبر “تحريضاً” على إسرائيل، واستبداله بروايات أكثر قبولاً للتطبيع.
منتقدون يحذرون من أن توظيف المناهج المدرسية لتجميل صورة إسرائيل وإضعاف مركزية القضية الفلسطينية في وعي الأجيال الجديدة يشكل خطراً على الهوية العربية، خصوصاً عندما يقترن بإبراز مزايا الشراكة الأمنية والاقتصادية دون وضع سياق الاحتلال والاستيطان في الميزان.
وفي ظل غياب نقاش مجتمعي واسع أو مشاركة حقيقية للمعلمين وأولياء الأمور في صياغة هذه التغييرات، تبدو عملية “تطوير المناهج” أقرب إلى مسار فوقي مرتبط بصفقات سياسية واستراتيجية أكثر من ارتباطه بأولويات تربوية وطنية مستقلة.
بهذا يصبح التعاون التعليمي الإماراتي الإسرائيلي ملفاً يتجاوز اللغة والمحتوى والصفوف الدراسية، ليطرح أسئلة أعمق حول حدود التطبيع المقبول، ودور المدرسة في تشكيل الوعي السياسي والقيمي في العالم العربي خلال العقود المقبلة.










