إجراءات غير مسبوقة لمراقبة التحويلات المالية في لبنان ضمن حملة أمريكية لتجفيف منابع تمويل حزب الله
في تصعيد مالي جديد يعكس عمق الضغوط الأمريكية على لبنان، أصدر مصرف لبنان المركزي قرارًا يُلزم جميع شركات تحويل الأموال بتركيب كاميرات مراقبة عالية الدقة داخل مقارها، لتوثيق هوية الزبائن والوكلاء أثناء تنفيذ أي معاملة مالية، مع الاحتفاظ بالتسجيلات لمدة لا تقل عن ستة أشهر.
القرار، الذي يشمل شركات كبرى أبرزها «أو إم تي»، لا يُعد إجراءً إداريًا تقليديًا، بل يمثل حلقة متقدمة في استراتيجية أمريكية متكاملة تهدف إلى تجفيف منابع تمويل حزب الله، عبر إحكام السيطرة على ما تبقى من اقتصاد “الكاش” والتحويلات السريعة في لبنان.
استجابة مباشرة للضغط الأمريكي
مصادر مالية لبنانية أكدت أن التعميم جاء استجابة صريحة لمطالب واشنطن بتشديد الرقابة على القطاع غير المصرفي، الذي تعتبره الولايات المتحدة أحد أبرز المسارات البديلة التي استخدمها حزب الله خلال السنوات الأخيرة للالتفاف على العقوبات الدولية.
وبحسب المصادر، فإن واشنطن باتت ترى أن الرقابة الورقية وإجراءات “اعرف عميلك” لم تعد كافية، في ظل انتشار المحافظ الرقمية وشركات الدفع السريع، ما استدعى الانتقال إلى التوثيق البصري كأداة ردع وملاحقة لاحقة.
من «اعرف عميلك» إلى التتبع الكامل
ويأتي قرار الكاميرات استكمالًا لسلسلة تعاميم رقابية فرضها مصرف لبنان منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، شملت:
• إلزام الزبائن بملء استمارات “اعرف عميلك” لأي عملية تتجاوز ألف دولار.
• تتبع مسار التحويلات النقدية من المصدر إلى الوجهة.
• فرض قيود إضافية على شركات الصيرفة والتحويل.
كما يتزامن مع حظر التعامل مع مؤسسة «القرض الحسن»، الذراع المالية الأبرز لحزب الله، بعد تصنيفها منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، في خطوة اعتُبرت اختبارًا عمليًا لمدى التزام لبنان بالعقوبات الدولية.
شركات التحويل تحت المجهر
خلال الأشهر الماضية، تصاعدت التحقيقات والتحذيرات الدولية بشأن استخدام شركات تحويل ومحافظ إلكترونية لبنانية في تمرير أموال مشبوهة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، تم تقديم إخبار قضائي يطالب بالتحقيق في شركات من بينها «أو إم تي» و«ويش موني» و«بوب فاينانس»، على خلفية شبهات تتعلق بغسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وتشير تقارير دولية إلى أن التحويلات المالية من الولايات المتحدة إلى لبنان، التي تُقدَّر بنحو مليار دولار سنويًا، قد تسرّب جزء منها إلى شبكات مرتبطة بحزب الله، ما دفع الخزانة الأمريكية إلى تشديد الضغط ليس فقط على الشركات، بل على النظام المالي اللبناني ككل.
كلفة اقتصادية وتوتر سياسي
اقتصاديًا، يُتوقع أن يؤدي القرار إلى زيادة كبيرة في كلفة التشغيل على شركات التحويل، التي تعاني أصلًا من نقص السيولة وتراجع الثقة، ما قد ينعكس على سرعة الخدمات ورسوم التحويل، ويزيد العبء على المواطنين في ظل الأزمة المالية المستمرة.
سياسيًا، يُنذر القرار بتصعيد داخلي، إذ يرى حزب الله فيه محاولة جديدة لمحاصرته ماليًا بغطاء دولي، بينما يعتبره خصومه خطوة ضرورية لمنع عزل لبنان دوليًا واستعادة الحد الأدنى من الثقة بالنظام المالي.
معركة تتجاوز الكاميرات
في المحصلة، لا يمكن فصل قرار تركيب الكاميرات عن السياق الأوسع للصراع المالي الدائر في لبنان. فالأمر لا يتعلق فقط بمراقبة عمليات تحويل الأموال، بل بمحاولة إعادة هندسة المشهد المالي اللبناني بالكامل، من اقتصاد النقد إلى تحويلات المغتربين، وفق شروط أمريكية صارمة.
وبين التزامات دولية وضغوط سياسية وأزمة اقتصادية خانقة، يجد لبنان نفسه مجددًا أمام معادلة صعبة: الامتثال لتفادي العقوبات، أو المجازفة بمزيد من العزلة، في معركة لم تعد تُدار بالبيانات فقط، بل بعدسات الكاميرات.











