خاص | المنشر الاخباري- 2 مارس 2026، في زمن تتساقط فيه قيادات الحرس الثوري الإيراني كأوراق الخريف تحت وطأة الضربات الإسرائيلية الأمريكية المشتركة، يبقى اسم واحد معلقا بين السطور يثير جدلا لا ينتهي، إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس، الرجل الذي نجا من الموت أربع مرات، لكنه عجز عن إنقاذ إمبراطورية النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط من الانهيار.
منذ أسبوعين، اختفى قاآني عن المشهد العام كليا. آخر ظهور علني له كان في السابع عشر من فبراير الماضي، حين حضر حفل إحياء ذكرى انتهاء فترة الحداد على ضحايا احتجاجات يناير. بعدها، صمت مطبق. لا تصريح، لا صورة، لا خطاب. وفي بلد تحترق فيه طهران وتتساقط رموزها الأمنية والعسكرية واحدا تلو الآخر، يغدو هذا الغياب سؤالا لا يمكن تجاهله.
أربع مرات على حافة الموت
ما يجعل شخصية قاآني استثنائية في المشهد الأمني الإيراني هو سجله الغريب من النجاة شبه المعجزة، ففي عام 2017، كان في سوريا حين ضربت إسرائيل مواقع قريبة منه.
وفي عام 2024، كان في لبنان حين كانت الضربات الإسرائيلية تفكك قيادة حزب الله حلقة حلقة.
وخلال عامي 2025 و2026، بقي سالما في إيران رغم أن الضربات الإسرائيلية الأمريكية طالت عددا كبيرا ممن هم في مرتبته أو دونها.
هذا السجل المثير شكل أرضية خصبة لشائعات راجت في إسرائيل وعلى منصات التواصل الاجتماعي تصفه بأنه “إيلي كوهين الإيراني”، في إشارة إلى العميل الأسطوري للموساد الذي اخترق أعلى دوائر الحكم السورية في الستينيات.
و بل ذهبت بعض التعليقات إلى حد نشر صور معدلة له وهو يرتدي الكيباه، وصنع منه مادة دسمة للميمات الساخرة. وفي أكتوبر الماضي، انتشرت شائعات تؤكد اغتياله، اضطر هو بنفسه إلى نفيها في مقابلة تلفزيونية إيرانية، مدعيا أن إسرائيل تنشرها عمدا لإثارة الذعر في محيطه ودفع أقاربه إلى التواصل معه كي تتمكن من تحديد موقعه.
الحقيقة الأكثر إيلاما: الفشل لا الخيانة
لكن أغلب المحللين الجديين لا يؤخذون بنظرية العمالة، ويرون أن تفسيرا أبسط وأكثر إيلاما هو الأصح: إسرائيل ربما لا تجد في قاآني هدفا يستحق الاستعجال، لأنه ببساطة لم يعد يشكل التهديد الذي كان يمثله سلفه.
حين اغتالت أمريكا قاسم سليماني في بغداد مطلع 2020، كانت تقضي على رجل بنى بيديه إمبراطورية نفوذ إقليمية لا نظير لها، فسليماني كان المهندس الفعلي لتمدد الهلال الشيعي من طهران إلى بيروت مرورا ببغداد ودمشق وصنعاء، وكان الرجل الذي يحرك الميليشيات والحكومات ويصنع المعادلات الأمنية في أربع دول عربية في آن واحد.
جاء قاآني، الذي شغل منصب نائب سليماني لسنوات طويلة، ليرث التركة الضخمة، فإذا بكل شيء ينهار تحت قيادته. في لبنان، تلقى حزب الله ضربات متتالية أودت بقيادته العليا، وفقد معظم قوته النارية وثقله السياسي.
و في سوريا، سقط نظام الأسد ورفيق الرحلة الثلاثين عاما لطهران، وطردت إيران من أرضه في مشهد خزي لم يكن أحد يتخيله.
وفي العراق، تراجعت الميليشيات الموالية لطهران التي بنت نفوذها على صهوة الانتصار على داعش، وباتت تحسب حسابات ترامب والضغط الأمريكي المتصاعد قبل أن تحسب أي حساب آخر. في اليمن، أصبح الحوثيون في مواجهة ضغوط عسكرية متصاعدة بعد أن استنزفوا طاقة التحالف الإيراني في حروب عديدة.
كل هذا الانهيار المتسلسل وقع في عهد قاآني، وقد رصد مراقبون عديدون أصواتا من داخل الحرس الثوري نفسه، تتسرب عبر قنوات غير رسمية، تنتقد قاآني بصراحة وتحمله مسؤولية التراجع الكارثي للنفوذ الإيراني الإقليمي.
الغياب اليوم: ماذا يعني؟
في ظل هذه الخلفية، يطرح اختفاء قاآني عن المشهد في أحلك لحظات الجمهورية الإسلامية أسئلة متشعبة، هل هو في مكان مجهول يدير عمليات سرية بعيدا عن الأضواء؟ هل أقصي من المشهد في خضم الأزمة الراهنة لصالح قيادات أكثر كفاءة؟ هل يخضع لإعادة تموضع داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية التي تعيد تشكيل نفسها بعد اغتيال خامنئي والخسائر الجسيمة في القيادة العليا؟
الأيام الثلاثة الأولى من العملية الإسرائيلية الأمريكية أسفرت، وفق ما أفادت وكالة تسنيم الإيرانية نفسها، عن مقتل سبعة مسؤولين أمنيين كبار، من بينهم مستشارون عسكريون مقربون من المرشد الأعلى خامنئي. هؤلاء يمثلون الجيل الذي بنى معه سليماني نفوذ إيران، رحيلهم يخلق فراغا هائلا في البنية التشغيلية للحرس الثوري وفيلق القدس على وجه التحديد.
أما قاآني، فلا يزال غائبا. والغياب في السياسة الأمنية الإيرانية لغة بحد ذاتها.
بين الرمز والواقع
ثمة مفارقة مؤلمة تلخص المشهد الإيراني الراهن: الرجل الذي حمل لقب “قائد فيلق القدس” لم يستطع في عهده أن يبقي على أي موطئ قدم إيراني قريب من القدس، فالمحور الذي كان يفترض أن يشكل ضغطا متصاعدا على إسرائيل من الشمال والشرق والجنوب، تفكك حلقاته الواحدة تلو الأخرى خلال السنوات الخمس من عهده.
ما يبقى اليوم هو سؤال جوهري عن إيران ما بعد خامنئي وما بعد الضربات الكبرى: من سيعيد بناء منظومة النفوذ الخارجي إذا كانت هذه المنظومة أصلا قد أصابها من الاهتراء ما أصابها قبل أن تضاف إليه فداحة الحرب الراهنة؟
قاآني، سواء أكان حيا مختبئا أم مقصى في الظل أم في مكان لا يعلمه إلا من يعلمه، يمثل بشكل أو بآخر صورة إيران في هذه المرحلة: قوة نجت أربع مرات من الموت المؤكد، لكنها تواجه اليوم تحديا أصعب بكثير من الاغتيال، وهو تحدي الفشل الاستراتيجي الممتد وإعادة البناء من الصفر.










