تقرير خاص، المنشر الاخباري | 2 مارس 2026، في الثامن والعشرين من فبراير 2026، هوت طائرة مسيرة على مجمع المرشد الأعلى في طهران، لتنهي بضربة واحدة حقبة امتدت سبعة وثلاثين عاما من حكم علي خامنئي على إيران.
وفي الساعات الأولى التي أعقبت الحدث، وسط دخان المعركة وصخب التصريحات الرسمية، برز اسم واحد فوق سائر الأسماء في دوائر السلطة في طهران: علي لاريجاني. الرجل الذي قضى عقودا في ظل خامنئي يتعلم فنون البقاء والمناورة، وجد نفسه فجأة أمام لحظة تاريخية نادرة، لحظة قد تحول العائلة التي بنت إمبراطوريتها في هوامش السلطة إلى قلبها النابض.
غير أن قصة عائلة لاريجاني ليست قصة رجل واحد ولا حدث واحد. إنها قصة بناء نفوذ بالجملة، عبر المصاهرات والمناصب والشبكات، عبر التحولات الأيديولوجية والولاءات المتحركة، وعبر فهم عميق لقواعد لعبة السلطة في الجمهورية الإسلامية، تلك اللعبة التي لا يربحها من يصرخ أعلى، بل من يصمت في الوقت المناسب، ويتكلم في اللحظة الصحيحة.
الجذور: من النجف إلى قم
لا يمكن فهم عائلة لاريجاني دون فهم والدها الروحي والبيولوجي في آن معا: آية الله ميرزا هاشم آمولي، ذلك الفقيه الشيعي المخضرم الذي ولد عام 1276 هجري، أي قبل تسع سنوات من الثورة الدستورية الإيرانية، وعاش ليشهد الثورة الإسلامية عام 1979 قبل أن يرحل عام 1371 شمسي عن عمر ناهز الخمسة والتسعين عاما.
أمضى آمولي سنوات شبابه في النجف منذ منتصف عهد رضا شاه عام 1932، وهناك في ذلك المعقل الشيعي العريق ببلاد الرافدين، ولد ثلاثة من أبنائه الخمسة: محمد جواد عام 1951، وعلي عام 1957، والشيخ صادق عام 1963. أما الابنان الأصغر، باقر وفاضل، فقد ولدا في قم حين قرر الأب الاستقرار في تلك الحوزة العلمية الإيرانية الكبرى في منتصف الستينيات.
في النجف، تشكلت علاقة ميرزا هاشم بروح الله الخميني، تلك العلاقة التي ستكون بذرة النفوذ الذي سينمو لاحقا ويتشعب. كانا يتقاسمان جوار المراجع والحوزات، ويجمعهما الانتماء إلى النسيج الديني الشيعي ذاته.
بيد أن الموقف السياسي كان يفرق بينهما؛ فحين جاهر الخميني بدعوته إلى الثورة وأطلق نظريته الجريئة في ولاية الفقيه، آثر ميرزا هاشم الموقف التقليدي لمراجع النجف القائل بالابتعاد عن الاختلاط بالسياسة.
وتشهد وثائق “السافاك”، الاستخبارات الإيرانية في عهد الشاه، بأن آمولي اتخذ موقفا محايدا بل أقرب إلى السلبي من حركة الخميني الثورية.
غير أن الثورة حين انتصرت عام 1979، لم تكن تسأل عن المواقف السابقة، بل عن المواقع المستقبلية. وبمجرد أن تولى خامنئي الزعامة الأعلى عام 1989 خلفا للخميني، بدأت تتهيأ الظروف لأبناء ميرزا هاشم للصعود بسرعة لافتة.
كانت شخصيات الصف الأول في عهد الخميني قد أقصيت أو همشت أو تراجعت، سواء أكان يوسف سني أم موسوي أردبيلي أم مير حسين موسوي أم المرجع منتظري، فأفسح ذلك المجال لرجال من الصف الثاني كي يملأوا الفراغ ويرتقوا إلى الصف الأول. وكان آل لاريجاني في مقدمة من اغتنموا هذه الفرصة التاريخية.
بناء الإمبراطورية: المصاهرة سلاحا سياسيا
ما يميز عائلة لاريجاني عن سائر العائلات النافذة في الجمهورية الإسلامية هو إدراكها المبكر لقيمة المصاهرة بوصفها أداة سياسية لا تقل أهمية عن المنصب أو المال.
فقد نسجت العائلة على مر السنين شبكة من العلاقات الزوجية تربطها بأبرز مراجع الدين الشيعة في قم، في خطوة محسوبة بدقة تجعلها في قلب شبكة النفوذ الديني التي تحتاج إليها أي حكومة في إيران لتستمد شرعيتها وتضمن استقرارها.
فعلي لاريجاني، ثاني الإخوة، تزوج من عائلة آية الله مرتضى مطهري، أحد أقرب تلاميذ الخميني وأكثرهم تأثيرا في الفكر الإسلامي الثوري، ما جعله على الفور جزءا من الدائرة الأقرب إلى مؤسسي الثورة.
أما صادق، ثالث الإخوة، فقد ربط مصيره بعائلة آية الله وحيد خراساني، أحد أبرز المراجع الشيعية في قم وأشدهم تأثيرا في الحوزة العلمية.
وفي حين اختار الأخ الرابع باقر لاريجاني مصاهرة آية الله حسن زاده آملي، عالم الدين الكبير من آمل، مسقط رأس الأسرة في مازندران.
ولا تتوقف شبكة المصاهرات عند هذا الحد، إذ إن جوادي آملي، أحد كبار مراجع قم، متزوج من عمة الإخوة اللاريجانيين، فيما تزوجت الأخت الوحيدة للأسرة من آية الله محقق داماد.
يقول من يعرف تعقيدات نفوذ المراجع الشيعة في إيران إن هذه الأسماء وحدها تكفي لفهم لماذا لا يستطيع أي مرشد أعلى، مهما بلغت قدرته، أن يهمش عائلة لاريجاني بالكامل من المشهد السياسي. فهي تمسك بخيوط من الشرعية الدينية تمتد إلى أعمق أعماق المرجعية الشيعية.
لكن الأسرة لم تكتف بشبكة المصاهرات الدينية، بل عملت بالتوازي على ربط نفسها بالمؤسسة العسكرية والأمنية.
فعلي لاريجاني ذاته خدم في الحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية العراقية، وتولى منصب رئيس أركان الحرس، قبل أن ينتقل إلى المسار السياسي والثقافي في خطوة يرى فيها بعض المحللين مشروعا ممنهجا للحرس الثوري لصنع رجل دولة من طينة نادرة، يجمع بين الخلفية العسكرية والكفاءة السياسية والحضور الإعلامي.
الإخوة الخمسة: مملكة داخل الجمهورية
إذا أردت أن تفهم عائلة لاريجاني، فعليك أن تفهم كل واحد من إخوتها الخمسة على حدة، لأن كل واحد منهم يمثل بعدا مختلفا من أبعاد النفوذ الإيراني.
محمد جواد لاريجاني، الابن الأكبر المولود في النجف عام 1951، جمع بين التحصيل العلمي الغربي، إذ حصل على دكتوراه في الرياضيات من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وبين الانخراط العميق في منظومة الفكر الأصولي الإيراني.
وشغل منصب نائب وزير الخارجية لشؤون أوروبا، وتولى رئاسة لجنة السياسة الخارجية في البرلمان، وأسس مركز الأبحاث البرلماني، ثم أصبح المتحدث الرئيسي باسم الجمهورية الإسلامية في المحافل الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وهو منصب فيه من المفارقة ما يثير سخرية المنتقدين.
و يسافر بانتظام إلى الولايات المتحدة، ويجيد الانتقاد باللغة الإنجليزية أمام الكاميرات الغربية، ويعرف في الأوساط الدولية بأنه مفاوض ذكي يتقن لغتين بمعنيين مختلفين.
علي لاريجاني، ثاني الإخوة المولود عام 1957 في النجف أيضا، والحاصل على دكتوراه في الفلسفة الغربية، هو النموذج الأكثر اكتمالا لرجل الدولة الإيراني في جيله. بدأ مسيرته في الحرس الثوري، ثم تولى وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي خلفا لمحمد خاتمي الذي اضطر إلى الاستقالة تحت وطأة ضغوط الحرس.
وبتكليف مباشر من المرشد خامنئي، قضى عشر سنوات رئيسا لهيئة الإذاعة والتلفزيون، تلك المؤسسة التي تحولت في عهده إلى منبر للضغط على المعارضين الثقافيين والسياسيين.
ثم أصبح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي ومديرا للملف النووي الإيراني، قبل أن ينتقل إلى رئاسة البرلمان التي حافظ عليها لأكثر من عشر سنوات.
حين خاض الانتخابات الرئاسية عام 2005، احتل المرتبة السابعة من أصل ثمانية مرشحين بنسبة خمسة بالمئة فقط، مما يكشف هوة واسعة بين نفوذه داخل المنظومة ومحدودية شعبيته لدى عامة الإيرانيين.
الشيخ صادق لاريجاني، ثالث الإخوة المولود في النجف عام 1963، هو الوحيد من بين الإخوة الذكور الذي سار على خطى والده في مسار الفقه الديني.
تخلى عن دراسته الأولى في جامعة شريف للتكنولوجيا لينضم إلى حوزة قم، وهناك بنى تدريجيا مكانته الفقهية التي أهلته للوصول إلى رئاسة السلطة القضائية عام 2009 بتعيين مباشر من خامنئي.
وقد استمرت رئاسته للقضاء أحد عشر عاما وصفها كثيرون بأنها من أحلك الفترات في تاريخ القضاء الإيراني، إذ شهدت إعدام أكثر من أربعة آلاف وثلاثمئة شخص وفق بعض الإحصاءات، فضلا عن اعتقال المعارضين ووضع زعيمي الحركة الخضراء مير حسين موسوي ومهدي كروبي تحت الإقامة الجبرية.
الدكتور باقر لاريجاني، رابع الإخوة، اختار مسارا مختلفا إذ تخصص في الطب والغدد الصماء، لكنه لم يبتعد عن الفلك السياسي، فتولى منصب نائب وزير الصحة لسنوات طويلة وترأس جامعة طهران للعلوم الطبية.
فاضل لاريجاني، أصغر الإخوة، ظل الأقل شهرة حتى جاء عام 2013 ليضعه تحت دائرة الضوء حين كشف الرئيس محمود أحمدي نجاد، في مشهد ذاع صيته، مقطع فيديو يظهر فيه فاضل يتوسط لدى أحد مديري الحكومة طالبا مبالغ مالية مقابل تسهيل القضايا، في فضيحة أحرجت العائلة بأكملها وأوجدت أزمة في علاقتها مع المرشد الأعلى.
التوتر مع خامنئي: حدود اللعبة المشتركة
لم تكن العلاقة بين عائلة لاريجاني والمرشد الأعلى علي خامنئي علاقة تبعية مطلقة، بل كانت شراكة استراتيجية قائمة على حسابات دقيقة من الجانبين، وكانت تنطوي في أعماقها على توترات حقيقية ظهرت إلى السطح في أكثر من مناسبة.
الخلاف الأبرز جاء في عام 2019، حين اعتقل أكبر طبري، أحد كبار مساعدي صادق لاريجاني حين كان رئيسا للقضاء، بتهم فساد جسيمة. كان صادق يتوقع أن تتدخل مؤسسة المرشد لإطلاق سراح مساعده، فحين لم يحدث ذلك، هدد بالتحرك نحو النجف، وهو تهديد يحمل رمزية خطيرة في النسيج السياسي والديني الإيراني.
وفي العام ذاته، أزال خامنئي محمد جواد لاريجاني من رئاسة مجلس حقوق الإنسان الإيراني إثر اتهامات الاستيلاء على أراضي الدولة.
الجرح الأعمق جاء عام 2021 حين استبعد علي لاريجاني من الترشح للانتخابات الرئاسية بقرار من مجلس صيانة الدستور، وهو القرار الذي دفع صادق لاريجاني إلى الاستقالة من المجلس احتجاجا، في تصعيد غير مسبوق. ومع ذلك، وهنا يكمن جوهر التوازن، لم يتجاوز أي من الطرفين الخطوط الحمراء. فصادق لم يتحرك فعلا إلى النجف كما هدد، وعلي تقبل الاستبعاد ببرود، ومحمد جواد لم يتحول إلى صوت معاد للنظام. إنه التوازن الدقيق لعائلة تفهم جيدا أن قيمتها تنبع من موقعها داخل المنظومة لا خارجها.
الحقيقة الجوهرية التي تفسر هذا التوازن هي أن كلا الطرفين يخسران في حال قرروا المواجهة المفتوحة. فخامنئي لا يستطيع الاستغناء عن شبكة عائلة لاريجاني مع مراجع التقليد والحوزات العلمية في قم، تلك الشبكة التي تمنحه جزءا من الغطاء الديني الضروري لشرعية حكمه. وعائلة لاريجاني في المقابل تدرك أن مصدر قوتها هو موقعها داخل النظام، وأن الخروج عنه يعني خسارة كل ما بنته على مدى عقود.
خامنئي يرحل: لحظة اختبار الإمبراطورية
جاء اغتيال خامنئي في فبراير 2026 ليضع عائلة لاريجاني أمام أكبر اختبار في تاريخها. فالرجل الذي كان الضامن الأعلى لتوازناتها والمرجع الأول لحدود صلاحياتها قد رحل، وتركها في مواجهة فراغ هائل وفرصة تاريخية في الوقت ذاته.
أعلنت إيران عن آلية انتقالية تتكون من ثلاثي يضم رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء، لكن المشهد الفعلي على الأرض يظهر أن علي لاريجاني، بصفته أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، يضطلع بدور محوري في إدارة الأزمة. فهو من يدير خيوط التخطيط الاستراتيجي وينسق المفاوضات غير المباشرة مع الأطراف الخارجية، ويبقي على قنوات الاتصال مع موسكو التي كان قد زارها مؤخرا لتعزيز التحالف الإيراني الروسي في مواجهة الضغوط الأمريكية الإسرائيلية.
في الوقت ذاته، يحمل صادق لاريجاني، بموقعه في هيئة تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور، أوراقا مؤثرة في تحديد هوية المرشد الجديد، إذ إن مجلس خبراء القيادة هو الجسم الدستوري المنوط به هذه المهمة، ولصادق لاريجاني نفوذ معلوم فيه وإن كان بعيدا عن رئاسته.
هل هذا عصر الحكم العائلي؟
السؤال الذي يطرحه كثير من المحللين اليوم هو: هل نشهد بداية مرحلة حكم عائلي في إيران تمسك فيها أسرة لاريجاني بزمام السلطة الفعلية؟
الإجابة الواقعية تقول: ربما جزئيا، لكن ليس بالكمال الذي قد يتصوره البعض.
فعائلة لاريجاني لا تحكم إيران، بل هي من أبرز اللاعبين في لعبة معقدة متعددة الأطراف يشارك فيها الحرس الثوري بكل ثقله، ورجال الدين المنقسمون، وتكنوقراط الدولة، والقوى الشعبية المكبوتة التي ربما وجدت في الاضطراب الراهن فرصة للتنفس.
ما يميز عائلة لاريجاني هو أنها أتقنت فن البقاء في دائرة السلطة عبر الانتقالات السياسية الكبرى. فكما كتب أحد المحللين، لو أن الشاه لا يزال حاكما لوجدنا العائلة في موقع قريب منه، وإذا تحولت إيران إلى نظام ديمقراطي غدا، فلن يستغرق آل لاريجاني وقتا طويلا قبل أن يقدموا أنفسهم للرأي العام بوصفهم ديمقراطيين تقدميين. هذه المرونة ليست انتهازية خالصة، بل هي تعبير عن عقلية سياسية تضع البقاء فوق الأيديولوجيا، وتعامل السلطة ليس كغاية مقدسة بل كموقع يجب الحفاظ عليه وتعظيمه.
لكن ثمة عوامل تحد من قدرة العائلة على السيطرة الكاملة. فهي تفتقر أولا إلى الشعبية الجماهيرية الحقيقية، وقد أظهرت نتائج علي لاريجاني المتواضعة في الانتخابات الرئاسية أن النفوذ الداخلي في أروقة السلطة لا يترجم بالضرورة إلى رصيد شعبي.
ثانيا، الحرس الثوري، الذي يملك القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة، قد يفضل قيادة الانتقال بنفسه بدلا من أن يتركه بأيدي سياسيين مدنيين، حتى لو كان لهم جذور في الحرس كما هو الحال مع علي لاريجاني.
ثالثا، غياب خامنئي يعيد خلط الأوراق على نحو غير مسبوق، وقد تبرز قوى جديدة أو تعيد قوى قديمة تموضعها بطرق تقلص هامش لاريجاني.
وفي نهاية المطاف، يصف أحد المحللين الإيرانيين عائلة لاريجاني بعبارة تلخص جوهرها بدقة مذهلة: “إنهم رجال لكل زمان”. يأكلون خبز يزيد ويثنون على عمر، يصلون صلاة الفجر في حضرة علي ويتعشون على مائدة معاوية. ليس هذا انتهازية بالمعنى الأخلاقي الضيق، بل هو فن الإبحار في مياه متقلبة بدفة ثابتة.
والمفارقة الكبرى هي أن الجمهورية الإسلامية، التي قامت على رفض الوراثة الدينية والسياسية وعلى شعارات تعزيز المؤسسات على حساب الأشخاص، أنتجت في قلبها أرستقراطية دينية جديدة لا تختلف في جوهرها كثيرا عن تلك التي ادعت قطيعتها معها.
إيران في مارس 2026 تقف أمام تحولات جذرية قد لا تكتمل ملامحها إلا بعد سنوات. لكن في خضم هذه التحولات، شيء واحد يبدو شبه مؤكد: عائلة لاريجاني ستكون حاضرة في المشهد، تبحث عن مكانها في أي نظام جديد، بالمهارة ذاتها التي ورثتها عن أب أمضى عمره في الموازنة بين النجف وقم، بين الثورة وما قبلها، وبين السلطة وما وراءها.










