في خطوة وُصفت بأنها الأكثر حدة في الخطاب الأمريكي تجاه دول الشرق الأوسط منذ سنوات، أثارت تصريحات وزير الحرب الأمريكي جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية العربية، بعدما قال إن «الحليف الحقيقي بالنسبة للولايات المتحدة ليس من يرفع الشعارات أو يطالب بوقف الحرب، بل من يمتلك القدرة العسكرية الكافية لإسناد المواقف الأمريكية على الأرض.»
جاءت هذه التصريحات خلال ندوة أمنية في واشنطن خُصصت لمناقشة تطورات العمليات الجارية في المنطقة، حيث أشار الوزير إلى أن بلاده «تعيد تقييم مفهوم التحالفات الاستراتيجية»، مضيفًا أن مرحلة «الاعتماد غير المشروط على الشركاء التقليديين» قد انتهت.
وأضاف بنبرة حازمة: «الولايات المتحدة لا تبني سياستها على المجاملة الدبلوماسية، بل على القوة القادرة على حماية مصالحها ومصالح حلفائها الحقيقيين.»
موجة غضب عربية وانتقادات رسمية
ما إن بدأت تلك التصريحات تتناقلها وسائل الإعلام حتى اشتعلت ردود الفعل العربية، إذ عبّرت عدة عواصم، بينها القاهرة والرياض وعمان، عن امتعاضها من اللهجة التي استخدمها الوزير الأمريكي، معتبرةً أنها «تتناقض مع أبسط قواعد التحالف والشراكة الاستراتيجية».
مصدر دبلوماسي عربي وصف حديث الوزير بأنه «يمعن في سياسة الابتزاز السياسي والعسكري»، مشيرًا إلى أن بعض الدول التي توصف في واشنطن بـ«الحلفاء التقليديين» قدّمت خلال العقود الماضية الكثير من الدعم في ملفات إقليمية حساسة، من مكافحة الإرهاب إلى الاستقرار الطاقوي العالمي.
في المقابل، حاولت بعض الجهات الأمريكية التخفيف من وطأة التصريح، موضحة أن الوزير قصد «التأكيد على ضرورة تطوير القدرات الدفاعية للشركاء» وليس التقليل من قيمتهم.
لكن ذلك التوضيح لم يُقنع كثيرين في المنطقة.
محللون: واشنطن تلوّح بالعصا بدلًا من الشراكة
يرى محللون سياسيون أن التصريحات تمثل تحولًا في لغة الخطاب الأمريكي، الذي يبدو أنه يربط التحالفات بموازين القوة لا بعلاقات الثقة التاريخية.
يقول الباحث المصري في الشؤون الاستراتيجية، د. سامح عبد اللطيف، إن الوزير الأمريكي «أرسل رسالة واضحة: واشنطن لم تعد مستعدة للاستماع إلى مطالب بوقف الحروب التي تخوضها أو تدعمها، وعلى الدول العربية إما أن تلتزم بالموقف الأمريكي أو تبحث عن توازنات جديدة».
أما الخبير الخليجي في العلاقات الدولية، د. راشد المنصوري، فاعتبر أن تلك اللهجة «تعكس ضيقًا أمريكيًا من تردد بعض العواصم العربية في دعم السياسات الأمريكية، خصوصًا بعد التصعيد الأخير في المنطقة»، مضيفًا أن «تصريحات الوزير قد تدفع العرب إلى مراجعة تحالفاتهم الدفاعية وربما تنويعها باتجاه قوى أخرى مثل الصين وروسيا.»
واشنطن في مأزق العلاقة مع الحلفاء
تأتي هذه التصريحات في وقت تواجه الإدارة الأمريكية انتقادات داخلية بشأن فشلها في الحفاظ على تماسك التحالفات التقليدية في الشرق الأوسط، خاصة مع تزايد الفجوة بين الموقف الأمريكي وبعض الشركاء العرب حول قضايا إقليمية كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والحرب الدائرة في البحر الأحمر، وتنامي النفوذ الإيراني.
ويرى مراقبون أن الوزير أراد إرسال رسالة مزدوجة: ضغط على الحلفاء العرب لتبني الموقف الأمريكي بوضوح، وطمأنة للدوائر السياسية في واشنطن بأن الإدارة لا تتسامح مع «الحلفاء المترددين».
ورغم ذلك، حذر بعض النواب الأمريكيين من أن الخطاب المتشدد تجاه الشركاء العرب قد يرتد سلبًا على المصالح الاستراتيجية الأمريكية، إذ قد يدفع بعض الدول إلى تعزيز تعاونها الدفاعي مع قوى منافسة للولايات المتحدة
.الإعلام العربي ينتفض: “التحالف لا يبنى بالسلاح وحده”غطت الصحف العربية الحدث بشكل موسع، بعض العناوين استخدمت لغة صريحة في الرد على الوزير الأمريكي، بينما فضّلت أخرى اعتماد مقاربة تحليلية.
في القاهرة، كتبت صحيفة محلية بارزة أن «تصريحات الوزير تمثل تهديدًا غير مباشر للعلاقات التاريخية بين أمريكا والعالم العربي»، فيما رأت صحيفة خليجية أن «التحالفات الحقيقية تُبنى على الاحترام والثقة المتبادلة، لا على حجم القوة العسكرية.»وسائل الإعلام على مواقع التواصل الاجتماعي شهدت بدورها نقاشًا محتدمًا بين مستخدمين دافع بعضهم عن أهمية امتلاك العرب لقدرات عسكرية مستقلة، فيما اعتبر آخرون أن الوزير الأمريكي كشف بوضوح عن «سياسة الغطرسة الأمريكية».مآلات العلاقات المستقبلية
يرجح مراقبون أن هذه الأزمة الخطابية لن تتوقف عند حدود التصريحات، بل قد يكون لها أثر ملموس على ملفات التعاون الأمني والعسكري في الأشهر المقبلة. فبعض العواصم العربية بدأت فعلاً بإعادة تقييم طبيعة التنسيق الدفاعي مع الولايات المتحدة.
ويرى خبير العلاقات الدولية اللبناني، جورج سمعان، أن «البيان الأمريكي الأخير يعكس انزياحًا نحو منطق القوة على حساب الدبلوماسية، وهي فلسفة قد تزيد من عزلة واشنطن في المنطقة بدلاً من تعزيز حضورها.»ختامًا، تبدو تصريحات وزير الحرب الأمريكي الجديدة بمثابة اختبار جدي لصلابة العلاقات الأمريكية العربية في مرحلة تعاني أصلاً من التباينات. فـ«من يملك القوة» – بحسب توصيف الوزير – قد يكون فعلاً أقرب الحلفاء في نظر واشنطن، لكن في نظر كثير من العرب، التحالف لا يبنى بالسلاح وحده، بل بالثقة والمصالح المشتركة.










