تعاون سعودى سودانى لاستخراج الذهب
فى تطور اقتصادى وجيوسياسى لافت، تكثف المملكة العربية السعودية وجمهورية السودان تعاونهما فى مجال استخراج وتجارة الذهب، بهدف تحويل الثروة المعدنية السودانية إلى رافعة اقتصادية لكلا البلدين، وتقليص دور الوسطاء الإقليميين التقليديين فى تجارة المعدن النفيس.
ويأتى هذا الحراك بينما يعيش السودان أوضاعًا حربـية معقدة جعلت من الذهب المصدر الأول للعملة الصعبة، فى وقت تسعى فيه الرياض إلى توسيع نفوذها فى أسواق المعادن الأفريقية ضمن رؤية 2030.
اتفاقات جديدة ومسار مختلف عن دبىشهدت الأسابيع الأولى من عام 2026 إعلانًا واضحًا عن دخول السعودية بقوة إلى سوق الذهب السودانى، مع استعداد مصفاة الذهب السعودية لبدء شراء ومعالجة كميات كبيرة من السبائك القادمة من الخرطوم بشكل مباشر.
وتم تأكيد هذه الخطوة خلال منتدى “مستقبل المعادن” بالرياض، حيث عقد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودى بندر الخريف سلسلة لقاءات مع وزير المعادن السودانى نور الدين طه، تم خلالها مناقشة تعميق التعاون فى الاستكشاف والاستثمار والتسويق.
الاتفاق الجديد يفتح أمام السودان قناة بديلة عن دبى، التى شكلت لسنوات مركزًا رئيسيًا لتجارة الذهب الأفريقى، إذ تعوّل الخرطوم على أن يوفر المسار السعودى سوقًا أكثر شفافية وربحية، ويحد من تهريب الذهب الذى يُتهم بأنه يمول أطرافًا متحاربة داخل البلاد.
وفى المقابل، تسعى الرياض إلى بناء مركز إقليمى لتداول الذهب عبر بنيتها التحتية للتكرير والاختبارات المعملية واللوجستيات المتطورة.
مصفاة سعودية.. وبوابة لذهب السودان
يعد دخول “Saudi Gold Refinery” – المصفاة الذهبية السعودية – نقطة ارتكاز فى هذا التحالف، إذ أعلنت الشركة استعدادها الفنى والعملى لاستقبال الذهب السودانى وتكريره وفق المعايير الدولية، مستفيدة من معامل تحليل متقدمة وشبكة نقل آمنة قادرة على التعامل مع كميات كبيرة من الخام.
وأكدت لقاءات لاحقة بين وفد سودانى رسمى، يضم مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية محمد طاهر عمر، ورئيس مجلس إدارة المصفاة سليمان بن صالح العثيم، جاهزية الجانب السعودى لبدء العمليات فور استكمال الترتيبات الإجرائية.
هذا النموذج لا يقتصر على التكرير والشراء فقط، بل يمتد إلى نقل الخبرة والتقنيات، حيث يشمل التعاون تطوير بنية التعدين السودانية ورفع كفاءة سلاسل القيمة بدءًا من الاستكشاف وحتى التصدير النهائى، بما يقلل الفاقد غير الرسمى ويزيد العائدات الحكومية.
وتشير التقديرات الرسمية السودانية إلى أن البلاد لم تُصدر فى عام 2025 سوى نحو 20 طنًا من الذهب عبر القنوات الرسمية من أصل إنتاج تقديرى يبلغ 70 طنًا، ما يعنى أن غالبية الذهب ظلت خارج منظومة الدولة بسبب التهريب وضعف الرقابة.
استثمارات استكشافية على ساحل البحر الأحمر
إلى جانب تجارة الذهب الجاهز، يشمل التعاون السعودى السودانى بُعدًا استكشافيًا طويل الأجل، خصوصًا فى منطقة ساحل البحر الأحمر.
فقد أعلن السودان عن توقيع اتفاق استراتيجى مع شركة سعودية لإجراء أعمال بحث واستكشاف وتقييم جيولوجى وتطوير مناجم فى ولاية البحر الأحمر، وهى منطقة معروفة تاريخيًا بمخزونها من الذهب والمعادن المصاحبة مثل النحاس والفضة والزنك.
هذا المسار ليس جديدًا بالكامل؛ إذ تعود جذور التعاون المعدنى بين الرياض والخرطوم إلى اتفاقات سابقة منذ سبعينيات القرن الماضى لاستغلال كنوز قاع البحر الأحمر فى حوض “أتلانتس 2″، والذى تشير الدراسات إلى غناه بكميات كبيرة من الذهب والمعادن.
إلا أن التطورات التكنولوجية فى مجال التعدين البحرى، إضافة إلى احتياجات السودان لتعويض تراجع عائدات النفط، أعادت إحياء الاهتمام بهذا الملف ودفعته إلى واجهة الأولويات المشتركة.
مكاسب اقتصادية للسودان.. وحضور إقليمى للسعودية
على الجانب السودانى، يُنظر إلى التعاون مع السعودية باعتباره فرصة لتحديث قطاع التعدين المنهك، وتوفير تمويل وتقنيات لإحياء مشاريع إنتاج واستكشاف متوقفة، خصوصًا فى ظل حرب أضعفت البنية التحتية وأدخلت الاقتصاد فى أزمة حادة.
وتأمل الخرطوم أن يؤدى المسار الجديد إلى زيادة الكميات المصدرة رسميًا، وتحويل الذهب من مصدر لفوضى التهريب وتمويل النزاع إلى رافعة للإيرادات العامة وتمويل الخدمات الأساسية.
أما المملكة، فتنظر إلى الشراكة كجزء من استراتيجيتها الأوسع لتنويع اقتصادها وبناء نفوذ فى أسواق المعادن العالمية، خاصة فى أفريقيا، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 لتعزيز دور التعدين كركيزة ثالثة للاقتصاد السعودى بعد النفط والبتروكيماويات.
كما أن تأسيس سوق ذهب أفريقى عبر بوابة السودان يتيح للرياض منافسة مراكز تقليدية مثل دبى، وخلق شبكة علاقات أعمق مع دول القرن الأفريقى وشرق القارة.
تحديات الحرب وملف الشفافية
رغم الطموحات الكبيرة، تواجه الشراكة السعودية السودانية تحديات عدة، أبرزها استمرار الحرب داخل السودان وما تسببه من مخاطر أمنية ولوجستية على عمليات النقل والتخزين والاستكشاف.
كما أن جزءًا من إنتاج الذهب السودانى ظل لسنوات مرتبطًا بشبكات تهريب معقدة، ما يفرض على أى شريك دولى الحرص على أن تكون الإمدادات متوافقة مع المعايير الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الصراعات.
فى هذا السياق، يُتوقع أن تعتمد الرياض والخرطوم آليات رقابة وتوثيق أكثر صرامة، تشمل تتبع سلاسل التوريد من المنجم حتى المصفاة، وربط بيانات الإنتاج والتصدير بأنظمة حكومية رقمية تقلل فرص التسرب.
كما أن نجاح التعاون سيكون مرتبطًا بقدرة الحكومة السودانية على ضبط سيادتها على مناطق التعدين، وإدماج المجتمعات المحلية فى العملية التنموية لتفادى تفاقم النزاعات على الموارد.
شراكة ذهبية بمضمون سياسى
لا يمكن قراءة التعاون الذهبى السعودى السودانى بعيدًا عن توازنات الإقليم، إذ يأتى فى وقت تشهد فيه علاقات بعض القوى الخليجية تنافسًا على النفوذ الاقتصادى فى أفريقيا، خاصة فى قطاع الذهب والتعدين.
وتحمل الخطوة السعودية رسالة مفادها أن المملكة لم تعد تكتفى بدور مشترى للنفط والمعادن، بل تسعى لتكون مركزًا لإعادة التكرير والتسعير والتوزيع على مستوى أوسع.
وبينما يترقب السودانيون ما إذا كان هذا التعاون سيسهم بالفعل فى تخفيف حدة أزمتهم الاقتصادية والإنسانية، تبدو المؤشرات الأولية واعدة لجهة جذب استثمارات جديدة وتحسين شروط بيع الذهب فى الأسواق العالمية، شريطة أن تُستثمر العائدات فى إعادة الإعمار وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بعيدًا عن صراعات النخب والسلاح.










