بعد ساعات من بدء القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيران، يلتقط ترامب الهاتف متصلا ببارزاني وطالباني — وطهران ترد فورا بضربات على مقرات المعارضة الكردية في العراق
المنشر الاخباري| 3 مارس 2026
لم تمض أربع وعشرون ساعة على انطلاق الموجة الأولى من الغارات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حتى أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالين هاتفيين وصفا بـ”الحساسين” مع أبرز زعيمين كرديين في العراق: مسعود بارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني.
الاتصالان اللذان كشف عنهما موقع “أكسيوس” استنادا إلى مصادر مطلعة متعددة، يفتحان فصلا جديدا وبالغ التعقيد في مسار الحرب التي اندلعت في المنطقة، ويكشفان عن رهانات استراتيجية أمريكية-إسرائيلية على ورقة الأكراد قد تعيد رسم خريطة الصراع.
اتصالات “حساسة” في اليوم الثاني من الحرب
أجرى ترامب الاتصالين يوم الأحد، أي بعد يوم واحد من انطلاق حملة القصف المكثفة التي أذن بها يوم السبت. ووصف مصدر مطلع على مضمون المكالمات بأنها كانت “حساسة”، محجما عن الإفصاح عن تفاصيلها.
وأكد بافل طالباني علنا يوم الثلاثاء أنه تحدث إلى ترامب بشأن الحرب مع إيران، في تأكيد نادر من قيادة كردية لاتصال مباشر مع الرئيس الأمريكي في خضم عمليات عسكرية جارية.
وحين سئل المتحدث باسم البيت الأبيض عن هذه الاتصالات، اكتفى بالقول إن “ترامب كان على تواصل مع كثير من الحلفاء والشركاء في المنطقة خلال الأيام الماضية”، وهو رد أقر بالوقائع دون الخوض في تفاصيلها.
نتنياهو وراء الكواليس.. شهور من الضغط
كشف “أكسيوس” أن هذه الاتصالات لم تأت من فراغ، بل كانت ثمرة جهود مضنية استمرت شهورا قادها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وراء الكواليس لإقناع إدارة ترامب بضرورة التواصل مع القيادات الكردية.
وتكشف المصادر أن نتنياهو دافع عن الأكراد للمرة الأولى خلال اجتماعه مع ترامب في البيت الأبيض، وأن الرأي السائد لديه هو “أن الأكراد على وشك الخروج من الظل… وأنهم سينتفضون.”
وتمتد علاقات إسرائيل الأمنية والاستخباراتية مع الأكراد في سوريا والعراق وإيران لعقود طويلة.
وتنظر تل أبيب إلى الأكراد باعتبارهم ورقة استراتيجية يمكن توظيفها في عمق الجغرافيا الإيرانية من الداخل.
لماذا الأكراد تحديدا؟ الجغرافيا والتاريخ يجيبان
يملك الأكراد العراقيون آلاف الجنود المدربين على طول الحدود العراقية الإيرانية، ويسيطرون على مناطق استراتيجية بالغة الأهمية يمكن أن تؤدي دورا محوريا إذا ما تصاعدت العمليات العسكرية.
إقليم كردستان العراق يشكل منطقة عازلة استراتيجية حيوية تتاخم كلا من إيران وتركيا، وتستضيف قاعدة هرير الجوية التي تتمركز فيها قوات أمريكية منذ سنوات.
فضلا عن ذلك، يمتد نسيج العلاقات الكردية عبر الحدود إلى داخل إيران، حيث يعيش ملايين الأكراد الإيرانيين، مما يجعل القيادات الكردية العراقية جسرا طبيعيا للتنسيق مع جماعات المعارضة الكردية الإيرانية داخل البلاد.
وكانت قوات البيشمركة الكردية، التي يعني اسمها حرفيا “من يواجه الموت”، عاملا حاسما في حملات مكافحة تنظيم داعش في سوريا والعراق، مما يمنحها ثقلا عملياتيا حقيقيا في أي معادلة عسكرية محتملة.
تحفظات أمريكية على التفاؤل الإسرائيلي
غير أن الصورة داخل الإدارة الأمريكية ليست وردية كما تصورها الحسابات الإسرائيلية. حذر مسؤولون أمريكيون من أن نتنياهو يبالغ في تقدير حجم المشاركة الكردية المحتملة، وقال أحدهم لأكسيوس: “ما الذي سيكون دورهم في الحرب أو ما بعد إيران؟ هذا فوق مستوى صلاحياتي.”
هذا التحفظ يعكس قلقا حقيقيا من توريط القوات الكردية في مغامرة غير محسوبة العواقب، لا سيما أن الذاكرة الكردية لا تزال تحمل ندوب التخلي الأمريكي عنهم في شمال سوريا عام 2019، حين سحبت واشنطن قواتها وفسحت المجال أمام العملية العسكرية التركية.
إيران ترد فورا: ضربة على مقر المعارضة الكردية
لم تنتظر طهران طويلا. في الساعات الأولى من يوم الثلاثاء الثالث من مارس، استهدفت ضربات عسكرية مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في إقليم كردستان العراق.
جاء الاستهداف بعد ساعات قليلة من الكشف عن اتصالات ترامب، في ما بدا رسالة واضحة من طهران — موجهة في آن واحد إلى القيادات الكردية في العراق ولإدارة ترامب — مفادها أن إيران تدرك تماما ما يجري خلف الكواليس، وأنها مستعدة لدفع تكلفة باهظة لمن يفكر في التعاون مع خصومها.
وكانت خمس مجموعات كردية إيرانية معارضة قد أعلنت قبل ستة أيام فقط من اندلاع الحرب تأسيس “تحالف القوى السياسية لكردستان إيران” للنضال ضد الجمهورية الإسلامية، في توقيت أثار تساؤلات جدية حول التنسيق المسبق.
الرهان الكردي بين إغراء التحالف ومخاوف التاريخ
تجد القيادات الكردية العراقية نفسها اليوم أمام خيارات بالغة الحساسية. التنسيق مع واشنطن وتل أبيب يحمل إغراءات استراتيجية لا تنكر — فرصة نادرة لتعزيز النفوذ وربما انتزاع مكاسب سياسية في مرحلة إعادة رسم خرائط المنطقة.
لكنه ينطوي في الوقت ذاته على مخاطر جسيمة: الانتقام الإيراني المباشر، والتوتر مع بغداد التي تنظر بقلق بالغ إلى أي تحركات عسكرية تنطلق من أراضيها دون إذنها، ناهيك عن الشك المورث في النوايا الأمريكية.
الوضع يتطور بسرعة مذهلة في منطقة لا تحتمل مزيدا من الاشتعال، وكل طرف يراهن على أن الجانب الآخر سيتراجع قبله. والأكراد — كعادتهم على مر التاريخ — يجدون أنفسهم في قلب العاصفة يحاولون الإبحار بين أمواج متعاكسة، علهم هذه المرة يصلون إلى بر لم يصلوا إليه من قبل.










