سوريا ما بعد الأسد لا تزال تعتمد على النفط الروسي رغم التحول السياسي نحو الغرب
برلين – المنشر الإخبارى
رغم التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، لا تزال البلاد مرتبطة بشكل وثيق بإمدادات النفط الروسية، في مفارقة تعكس استمرار نفوذ موسكو في واحدة من أكثر ساحات النفوذ الجيوسياسي حساسية في الشرق الأوسط.
وبحسب بيانات ومصادر تتبع الشحنات البحرية، أصبحت روسيا المورد الرئيسي للنفط إلى سوريا، بعد أن كانت إيران هي المصدر الأساسي خلال السنوات الماضية، ما يعكس إعادة تشكيل سريعة لخريطة الإمدادات النفطية في البلاد عقب التغيير السياسي.
تحوّل جذري في مصادر الطاقة بعد سقوط النظام السابق
مع دخول حكومة جديدة إلى دمشق بقيادة أحمد الشرع، اتجهت الدولة السورية نحو إعادة تموضع سياسي باتجاه الغرب، تخلله فتح قنوات دبلوماسية مع أوروبا والولايات المتحدة، وطرح خطط لرفع العقوبات الدولية التي عزلت الاقتصاد السوري لسنوات.
لكن رغم هذا التحول، تشير البيانات إلى أن موسكو نجحت في ترسيخ موقعها كمزود أساسي للطاقة، عبر شحنات نفط منتظمة تغطي جزءًا حيويًا من احتياجات السوق المحلي السوري.
وتُظهر التقديرات أن روسيا تقوم بتوريد ما يقارب 60 ألف برميل يوميًا إلى سوريا، عبر أسطول من ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات الغربية، والتي تعمل ضمن شبكات شحن معقدة تشمل تغيير الأعلام البحرية وعمليات نقل بين السفن في عرض البحر.
فجوة إنتاجية كبيرة داخل السوق السوري
تواجه سوريا عجزًا واضحًا في قطاع الطاقة، حيث لا يتجاوز الإنتاج المحلي حالياً نحو 35 ألف برميل يوميًا، مقارنة باحتياجات تتراوح بين 120 و150 ألف برميل يوميًا.
ويعود هذا التراجع الحاد إلى سنوات الحرب التي دمرت البنية التحتية لقطاع النفط، إلى جانب فقدان السيطرة على العديد من الحقول الحيوية خلال فترات الصراع، ما جعل البلاد تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتغطية الطلب المحلي.
روسيا تملأ فراغ إيران في السوق السوري
قبل عام 2025، كانت إيران المورد الرئيسي للنفط إلى سوريا، لكن مع سقوط النظام السابق توقفت الإمدادات الإيرانية بالكامل، لتتحرك موسكو سريعًا وتملأ الفراغ خلال أسابيع قليلة فقط.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الإمدادات الروسية هي المصدر الأساسي، حيث يتم نقل ملايين البراميل عبر شحنات منتظمة إلى الموانئ السورية، أبرزها بانياس واللاذقية.
ويشير خبراء الطاقة إلى أن هذا التحول يعكس قدرة روسيا على إعادة تموضعها بسرعة داخل الاقتصاد السوري، رغم العقوبات الغربية المفروضة على قطاع الطاقة الروسي.
أسطول “الظل” ودور العقوبات الغربية
تعتمد عمليات نقل النفط الروسي إلى سوريا على ما يُعرف بأسطول “الظل”، وهو شبكة من السفن التي تعمل تحت أعلام دول مختلفة وتستخدم أساليب التفاف على العقوبات، بما في ذلك النقل بين السفن وإخفاء مصادر الشحنات.
وتشير بيانات ملاحية إلى أن نحو 21 ناقلة خاضعة للعقوبات تشارك في هذه العمليات بشكل دوري، ما يجعل سوريا واحدة من أبرز الوجهات لهذه الشبكات النفطية المعقدة.
الوجود الروسي العسكري يعمّق النفوذ
لا يقتصر النفوذ الروسي في سوريا على الطاقة فقط، بل يمتد إلى الوجود العسكري المباشر، حيث تحتفظ موسكو بقاعدتين استراتيجيتين في طرطوس وحميميم على الساحل السوري.
وتُعد هذه القواعد من أهم ركائز النفوذ الروسي في البحر المتوسط، وتلعب دورًا محوريًا في دعم العمليات الروسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
ورغم التغير السياسي في دمشق، لا تزال هذه القواعد تعمل بشكل جزئي، في ظل تفاهمات بين الجانبين السوري والروسي تضمن استمرار التعاون مقابل ترتيبات اقتصادية وتجارية.
الانسحاب الأمريكي يعيد تشكيل موازين القوى
في المقابل، أنهت الولايات المتحدة وجودها العسكري في سوريا بشكل كامل في أبريل 2026، بعد سحب آخر قواتها من قواعدها في الشمال الشرقي للبلاد.
هذا الانسحاب ترك فراغًا استراتيجيًا كبيرًا، ما عزز من موقع روسيا باعتبارها القوة العسكرية الأجنبية الوحيدة المتبقية على الأراضي السورية.
ويرى مراقبون أن هذا التطور منح موسكو ورقة ضغط إضافية في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بالطاقة أو إعادة الإعمار أو مستقبل القواعد العسكرية.
معضلة الاقتصاد السوري: بين الغرب وروسيا
تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى إعادة إدماج البلاد في النظام المالي العالمي، بعد إعادة فتح بعض القنوات المصرفية الدولية، في خطوة تُعد الأولى منذ عام 2011.
وفي الوقت نفسه، تحاول دمشق جذب استثمارات غربية وشركات طاقة كبرى لإعادة تطوير قطاع النفط والغاز، إلا أن استمرار الاعتماد على الإمدادات الروسية يخلق تناقضًا واضحًا في السياسة الاقتصادية.
ويرى خبراء أن هذا التناقض قد يعرض سوريا لضغوط غربية مستقبلية، خاصة إذا استمرت واردات النفط من مصادر خاضعة للعقوبات.
خيارات محدودة أمام دمشق
تواجه سوريا اليوم معضلة استراتيجية معقدة: فمن جهة تحتاج إلى النفط الروسي لتغطية الطلب المحلي وضمان استقرار السوق، ومن جهة أخرى تسعى إلى الانفتاح على الغرب وجذب الاستثمارات الدولية.
لكن تقليص هذا الاعتماد يتطلب وقتًا طويلًا واستثمارات ضخمة لإعادة تأهيل قطاع الطاقة، وهو ما يجعل العلاقة مع موسكو عنصرًا ثابتًا في المعادلة السورية الحالية، على الأقل في المدى المتوسط.










