برلين – المنشر الإخبارى
تشهد الساحة السياسية الأوكرانية تطورًا جديدًا في واحدة من أكبر قضايا الفساد التي تهز مؤسسات الدولة منذ اندلاع الحرب، بعد نشر دفعة ثانية من التسجيلات السرية التي أعدها المكتب الوطني لمكافحة الفساد في أوكرانيا (NABU)، والتي تشير إلى تورط شخصيات مقربة من الرئيس فولوديمير زيلينسكي في مناقشات تتعلق بصفقات مالية مشبوهة، وتعيينات حكومية، ومشروعات دفاعية كبرى.
وبحسب ما نشرته صحيفة “أوكرانسكا برافدا” الاستقصائية، فإن التسجيلات المسربة تأتي ضمن إطار عملية “ميداس” التي تستهدف تفكيك شبكات فساد داخل مؤسسات استراتيجية، أبرزها شركة الطاقة النووية الحكومية “إنيرغوأتوم”.
تسجيلات تكشف شبكة نفوذ داخل الدائرة المقربة من الرئاسة
تتضمن التسجيلات، التي يعود تاريخها إلى صيف 2025، محادثات بين رجل الأعمال تيمور مينديتش – المطلوب للعدالة في قضايا فساد – وعدد من كبار المسؤولين السابقين والحاليين، بينهم سيرهي شيفير، أحد أبرز مساعدي زيلينسكي السابقين، ووزير الدفاع السابق رستم أوميروف الذي يشغل حاليًا منصبًا أمنيًا رفيعًا في مجلس الأمن القومي والدفاع.
وتكشف التسجيلات مناقشات تتعلق بملفات شديدة الحساسية، تشمل جمع أموال كفالات مالية لمسؤولين متهمين، وتداولات غير رسمية حول عقود تسليح، إضافة إلى مشروعات استثمارية وعقارية فاخرة في ضواحي العاصمة كييف.
ورغم عدم توجيه اتهامات مباشرة للرئيس الأوكراني نفسه، إلا أن التسريبات أعادت فتح ملف النفوذ السياسي والاقتصادي داخل الدائرة الضيقة المحيطة به.
صفقات دفاعية بمليارات الدولارات تحت المجهر
إحدى أبرز القضايا التي وردت في التسجيلات تتعلق بشركة “فاير بوينت” الدفاعية، المتخصصة في تصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ، والتي حصلت على عقود حكومية تتجاوز قيمتها مليار دولار خلال عام 2025.
وتشير المحادثات إلى نقاشات حول بيع حصص من الشركة لمستثمرين أجانب، إضافة إلى خلافات بشأن التمويل والتوسع، ما أثار تساؤلات حول آليات إدارة قطاع الصناعات الدفاعية في ظل الحرب مع روسيا.
شبهات توسع إلى قطاع العقارات الفاخرة
كما تضمنت التسريبات محادثات حول مشاريع عقارية فاخرة في منطقة كوزين الراقية قرب كييف، مرتبطة بتعاونيات سكنية خاصة، وسط تقارير عن ارتباطها بشخصيات سياسية بارزة.
وتشير التسجيلات إلى وجود تنسيق غير مباشر بين بعض المقربين من دوائر الحكم ومشروعات استثمارية خاصة، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي في البلاد.
عملية “ميداس”: أكبر تحقيق فساد منذ الحرب
عملية “ميداس”، التي أطلقتها NABU في نوفمبر 2025، استمرت لأكثر من عام، وشملت مئات الساعات من التنصت والتحقيقات، إضافة إلى عشرات المداهمات ومصادرة أموال وممتلكات.
ووفق بيانات المكتب، فإن التحقيقات كشفت ما وصفته بـ”شبكة فساد منظمة” داخل قطاع الطاقة، كانت تفرض عمولات غير رسمية تتراوح بين 10% و15% على العقود الحكومية.
تداعيات سياسية متصاعدة داخل أوكرانيا
التسريبات الجديدة تأتي في وقت حساس، حيث تواجه حكومة زيلينسكي ضغوطًا داخلية متزايدة، بالتزامن مع استمرار الحرب مع روسيا وتراجع الدعم الشعبي في بعض الاستطلاعات.
وقد طالب مسؤولون في هيئات مكافحة الفساد بضرورة تعليق بعض المسؤولين مؤقتًا عن مناصبهم لحين انتهاء التحقيقات، فيما دعا نواب في البرلمان إلى جلسات استماع عاجلة لمناقشة القضية.
كما أثارت التسريبات جدلًا واسعًا حول محاولات سابقة من السلطة التنفيذية لإعادة هيكلة هيئات مكافحة الفساد، وهو ما اعتبرته المعارضة محاولة لتقليص استقلالية هذه المؤسسات.
خلفية سياسية معقدة
تأتي هذه التطورات في ظل اعتماد أوكرانيا الكبير على الدعم الأوروبي والأمريكي، حيث تُعد الشفافية ومكافحة الفساد أحد الشروط الأساسية لاستمرار التمويل الدولي.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى توتر بين الرئاسة الأوكرانية وبعض المؤسسات الرقابية، خاصة بعد محاولات تشريعية مثيرة للجدل لإعادة تبعية هيئات مكافحة الفساد للسلطة التنفيذية، قبل أن يتم التراجع عنها تحت ضغط داخلي وخارجي.
مشهد سياسي مفتوح على مزيد من التصعيد
يرى مراقبون أن تسريب هذه التسجيلات يعكس استمرار الصراع بين مراكز النفوذ داخل الدولة الأوكرانية، في وقت حساس يتزامن مع الحرب والضغوط الاقتصادية.
كما تشير التحليلات إلى أن القضية قد تمتد تداعياتها إلى علاقات كييف مع الاتحاد الأوروبي، الذي يراقب عن كثب مدى التزام أوكرانيا بإصلاحات الحوكمة ومكافحة الفساد.










