لبنان بين المسودة الأمريكية وإعادة رسم الأولويات الإقليمية
بيروت – المنشر الإخبارى
تأتي التطورات المرتبطة بالمسودة الأمريكية المعدّلة بشأن الملف الإيراني في لحظة إقليمية تتسم بتشابك شديد بين السياسة والأمن والطاقة. فالمقترح الذي يجري تداوله بين العواصم المعنية لا يقتصر على معالجة الملف النووي فحسب، بل يمتد ليشمل ترتيبات وقف الحرب، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وإعادة ضبط التوازنات في الخليج.
لكن اللافت في هذه الصياغة الجديدة ليس ما تتضمنه، بل ما تغفله. فبينما تحضر الملفات الكبرى المرتبطة بإيران بشكل مباشر، يغيب بشكل شبه كامل أي إشارة إلى الأذرع الإقليمية التابعة لها، وعلى رأسها حزب الله في لبنان. هذا الغياب لا يبدو تفصيلاً إجرائياً، بل يعكس تحولاً في طريقة إدارة الصراع، من المواجهة الشاملة إلى تفكيك الملفات وإدارتها بشكل منفصل.
هذا التحول يضع لبنان في موقع حساس، إذ يتحول ما تم استبعاده من التفاوض الدولي إلى عبء داخلي متصاعد على الدولة اللبنانية.
إعادة تعريف التفاوض: لماذا خرج حزب الله من المعادلة؟
تعكس بنية المسودة الأمريكية الجديدة محاولة واضحة لتقليص مساحة التعقيد في التفاوض. فبدلاً من فتح ملفات مترابطة تشمل النفوذ الإقليمي الإيراني، يتم التركيز على عناصر يمكن قياسها والتوصل بشأنها إلى تفاهمات تدريجية، مثل البرنامج النووي والعقوبات وحركة الملاحة.
في هذا السياق، يصبح استبعاد حزب الله جزءاً من استراتيجية تهدف إلى منع توسع التفاوض إلى مستويات يصعب التحكم بها. فإدراج ملف الأذرع الإقليمية يعني عملياً الدخول في مواجهة سياسية وأمنية تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، وهو ما قد يعرقل أي تقدم سريع في المسار الدبلوماسي.
لكن هذا الاستبعاد لا يعني انتهاء الملف، بل يعيد توزيعه بين مستويات مختلفة من المعالجة، بحيث يخرج من الطاولة الدولية ليصبح أكثر ارتباطاً بالداخل اللبناني.
لبنان أمام عبء داخلي متصاعد
في غياب أي إطار دولي مباشر يتناول دور حزب الله، يجد لبنان نفسه أمام واقع أكثر تعقيداً. فالدولة اللبنانية، التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة وتراجع حاد في قدراتها المؤسساتية، تتحمل وحدها تداعيات ملف بالغ الحساسية.
يتحول النقاش حول السلاح إلى قضية داخلية بالكامل، في وقت لا تملك فيه المؤسسات الرسمية القدرة الكافية على فرض توازن مستقر. هذا الواقع يعمّق الانقسام السياسي الداخلي، ويجعل أي نقاش حول السيادة أو احتكار القوة الشرعية للدولة محفوفاً بالتوتر.
وفي ظل هذا المشهد، تصبح الدولة اللبنانية في موقع إدارة الأزمة بدلاً من امتلاك أدوات حلها، ما يزيد من هشاشتها السياسية ويضعها أمام تحديات متراكمة.
طهران بين حماية النفوذ وتخفيف الضغط
من منظور إيراني، تبدو المعادلة مختلفة. فـ إيران تسعى في المرحلة الحالية إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من نفوذها الإقليمي.
استبعاد حزب الله من التفاوض يمنح طهران مساحة مناورة إضافية، إذ يسمح لها بالتركيز على ملفات أكثر إلحاحاً مثل العقوبات والبرنامج النووي والملاحة البحرية. لكن هذا الخيار يحمل في طياته تحدياً آخر، يتمثل في ترك حلفائها الإقليميين دون إطار تفاوضي يحميهم أو ينظم دورهم في المرحلة المقبلة.
وبذلك، تتحول سياسة الفصل بين الملفات إلى سلاح ذي حدين، فهي تخفف الضغط على طهران لكنها ترفع الضغط عن ساحات نفوذها المباشر.
إسرائيل واستمرار منطق الضغط الميداني
في المقابل، لا يبدو أن المشهد الميداني في جنوب لبنان يسير في اتجاه التهدئة. فإسرائيل تواصل سياسة الضغط العسكري المحدود، بهدف منع ترسيخ أي معادلات جديدة على الحدود الشمالية.
هذا النهج يقوم على إبقاء حالة عدم الاستقرار تحت السيطرة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. لكنه في الوقت نفسه يضيف طبقة جديدة من التعقيد على الوضع اللبناني، حيث يعيش الجنوب حالة استنزاف مستمرة تؤثر على الأمن والاقتصاد معاً.
وبذلك يصبح لبنان عالقاً بين تفاوض دولي لا يذكره مباشرة، وواقع ميداني يضغط عليه يومياً.
حزب الله بين الداخل والخارج
في ظل هذه التحولات، يجد حزب الله نفسه أمام معادلة مزدوجة. فمن جهة، يظل جزءاً من منظومة إقليمية ترتبط مباشرة بالاستراتيجية الإيرانية. ومن جهة أخرى، يواجه واقعاً لبنانياً معقداً يتطلب إدارة دقيقة للتوازنات الداخلية.
هذا الوضع يضع الحزب في مساحة رمادية بين كونه فاعلاً إقليمياً وكونه جزءاً من المشهد الداخلي اللبناني. ومع غيابه عن التفاوض الدولي، تتزايد أهمية دوره الداخلي، لكنه في الوقت نفسه يصبح أكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية.
الاقتصاد والسيادة: ضغط متصاعد على الدولة اللبنانية
لا يمكن فصل الأزمة السياسية عن الواقع الاقتصادي الذي يعيشه لبنان. فالانهيار المالي المستمر يحد من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية فعالة، ويجعلها أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية.
في هذا السياق، يصبح ملف السلاح جزءاً من معادلة أوسع تشمل الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فكل تصعيد سياسي أو أمني ينعكس مباشرة على الوضع الاقتصادي، ما يزيد من تعقيد المشهد العام.
سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات
المشهد الحالي لا يشير إلى اتجاه واحد واضح، بل يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات. فقد تؤدي التفاهمات الدولية إلى تهدئة جزئية في الإقليم، دون معالجة مباشرة لملف السلاح في لبنان. أو قد يتصاعد الضغط لاحقاً لإعادة طرح هذا الملف ضمن إطار أوسع.
وفي كل الحالات، يبقى لبنان في موقع المتلقي للتطورات، أكثر منه شريكاً في صياغتها، وهو ما يعكس أحد أعمق اختلالات النظام الإقليمي الحالي.
غياب عن الطاولة… وحضور في قلب الأزمة
ما تكشفه المسودة الأمريكية لا يتعلق فقط بإعادة ترتيب أولويات التفاوض، بل بإعادة توزيع الأدوار في الإقليم. فغياب حزب الله عن النص لا يعني تراجع دوره، بل يشير إلى انتقاله من مستوى التفاوض الدولي إلى مستوى الضغط الداخلي.
وفي هذه المرحلة، يصبح لبنان أمام معادلة دقيقة: دولة تعاني من ضعف مؤسساتي، وسلاح خارج إطارها الرسمي، وتوازنات إقليمية تُدار من خارج حدودها.
وهكذا، يتحول “الغياب” من النص إلى حضور ثقيل في الواقع، يفرض على لبنان مواجهة أسئلة السيادة المؤجلة منذ سنوات.










