أعلنت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) عن موجة نزوح جديدة شملت آلاف المدنيين من منطقة “الكرمك” الواقعة في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان. وتأتي هذه التطورات الميدانية المؤلمة على خلفية اندلاع معارك عنيفة في المنطقة الاستراتيجية المحاذية للحدود الإثيوبية، مما يفاقم الأزمة الإنسانية المتصاعدة التي تعصف بالبلاد.
وأفادت المنظمة الأممية، في بيان رسمي أصدرته اليوم الأحد 17 مايو 2026، أن فرقها الميدانية المعنية بتتبع النزوح رصدت فرار ما لا يقل عن 3 آلاف و860 شخصاً، يمثلون نحو 772 أسرة تنحدر من منطقتي “خور حسن” و”أبيجو” التابعتين لمحلية الكرمك. وأوضح البيان أن موجة النزوح الجماعي بدأت في العاشر من مايو الجاري، نتيجة “تفاقم انعدام الأمن” والتهديد المباشر لحياة المدنيين جراء العمليات العسكرية.
مسارات النزوح وتصاعد حدة التوتر
وفقاً للبيانات التي نقلتها وكالة الأنباء “الأناضول” عن المنظمة الدولية، فقد أجبرت العائلات النازحة على السير لمسافات طويلة بحثاً عن الأمان، حيث توجهت الأغلبية العظمى منهم إلى منطقة “قيسان” الواقعة إلى الشمال من محلية الكرمك داخل حدود ولاية النيل الأزرق. وجددت المنظمة تحذيراتها من خطورة الأوضاع الميدانية، مؤكدة أن “الوضع في المنطقة لا يزال متوتراً ومتقلباً للغاية”، مع التزام فرقها بمواصلة رصد حركة الفارين ومراقبة التطورات الإنسانية عن قرب لتقديم المساعدات العاجلة.
سياسياً وميدانياً، كان الجيش السوداني قد أعلن يوم الجمعة الماضي عن بسط سيطرته الكاملة على منطقة “خور حسن”، وذلك بعد مواجهات مسلحة عنيفة خاضها ضد قوات الدعم السريع وفصائل من “الحركة الشعبية لتحرير السودان/ قطاع الشمال” المتحالفة معها. وتأتي هذه التطورات في سياق تصعيد عسكري لافت تشهده ولاية النيل الأزرق في الأشهر الأخيرة، حيث تحولت أجزاء واسعة منها إلى ساحة حرب مفتوحة أدت إلى تهجير آلاف المواطنين قسرياً من قراهم ومدنهم.
سياق الصراع المعقد وجذور الأزمة
يتسم المشهد العسكري في ولاية النيل الأزرق بتعقيد شديد؛ فالجيش السوداني يسيطر على أجزاء واسعة من الولاية، لكنه يواجه جبهات متعددة. فإلى جانب صراعه الأساسي مع قوات الدعم السريع، تقاتل “الحركة الشعبية/ شمال” الحكومات المتعاقبة في الخرطوم منذ عام 2011 للمطالبة بالحكم الذاتي لمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. وقد تداخلت هذه المظالم التاريخية مع الصراع الراهن ليزيد من معاناة السكان المحليين.
يُذكر أن السودان يعيش تحت وطأة حرب طاحنة اندلعت منذ منتصف أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إثر خلافات حادة تتركز حول خطط دمج الأخيرة في المؤسسة العسكرية الرسمية. هذا الصراع الدامي لم يقتصر على المواجهات المسلحة فحسب، بل تمخضت عنه أزمة إنسانية وصفتها التقارير الدولية بأنها واحدة من أسوأ كوارث المجاعة والنزوح على مستوى العالم في التاريخ الحديث؛ حيث تسببت الحرب في مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، ودمرت البنى التحتية، فضلاً عن تهجير ونزوح نحو 13 مليون شخص داخلياً وخارجياً، في ظل غياب أي أفق قريب لحل سياسي شامل يعيد الاستقرار للبلاد.











