في مثل هذا اليوم من كل عام، يتوافد حجاج بيت الله الحرام على مشعر منى بمكة المكرمة، فيما يُعرّفه المسلمون بـ”يوم التروية”، الذي يعد ضمن إحدى أهم محطات الركن الأعظم.
توافد الحجاج إلى مشعر منى لقضاء يوم التروية
مع الصباحات الباكرة، قبل بزوغ الشمس، يجد مشعر منى، الذي يتحول لشبه “مدينة ذكية”، نفسه على موعد مع ملايين الحجاج القادمين من شتى بقاع الأرض وهم يتوافدون على صعيده، في مشهد إيماني مهيب، محفوف بكثير من الإيمانيات، لأداء مناسك الحج بكل يسر وطمأنينة.
شهد المشعر هذا العام تنفيذ مشروعات تطويرية نوعية ركزت على تحسين البيئة المكانية عبر زيادة المساحات المظللة
شهد المشعر هذا العام تنفيذ مشروعات تطويرية نوعية ركزت على تحسين البيئة المكانية عبر زيادة المساحات المظللة
وتلك البقعة التي تحاكي مفهوم “أنسنة المشاعر”، – منهجية أخذت السعودية تنفيذها في كافة مدنها -، تدار بكفاءة عالية وفائقة، وتثبت في الوقت ذاته قدرة سلطات المملكة على إدارة أعظم تجمّع حشود في العالم، يتكرر عليها كل عام.
في الواقع، لا يُنظر لمنى بعدد خيامها البيضاء الممتدة على السفوح فحسب، بل بحجم المنظومة التشغيلية التي تعمل خلف الكواليس، بدءاً من شبكات الطاقة والتبريد، مروراً بأنظمة التفويج وممرات المشاة وخرائط الحشود والتحكم اللحظي في تدفقات الحجيج، وصولاً إلى الخدمات الصحية والأمنية والغذائية، ما جعل هذا المشعر نموذجاً عالمياً فريداً، في إدارة التجمعات البشرية الكبرى.
ويمتد مشروع الخيام المطورة على مساحة تُقدَّر بنحو 2.5 مليون متر مربع، وفق مواصفات تعزز معايير الأمن والسلامة، فيما تتجاوز الطاقة الاستيعابية للمشعر 2.6 مليون حاج.
ومع كل موسم حج، لا تقتصر منى على كونها مساحة لاستضافة الحجاج، بل مشروعاً متجدداً، يُكرّس لإعادة صياغة تجربة الحج إنسانياً وتقنياً.
في الإطار ذاته، شهد المشعر هذا العام تنفيذ مشروعات تطويرية نوعية ركزت على تحسين البيئة المكانية عبر زيادة المساحات المظللة، وتوسعة مناطق الاستراحة، وتحسين المشهد الحضري، وتهيئة مسارات أكثر مرونة وانسيابية للمشاة.
ومن أبرز التحولات اللافتة التي يشهدها موسم حج العام الجاري، التوسع في مشروعات الإسكان المطور، كمشروع “رابية كدانة” ومخيمات “كدانة الخيف”، التي أضافت مساحات سكنية حديثة بالقرب من منشأة الجمرات؛ لرفع الطاقة الاستيعابية والارتقاء بجودة الإقامة والخدمات، معتمدةً على حلول هندسية متطورة في التظليل والتهوية وتسهيل الحركة.
وفي قلب منى التي تقع شرق مكة المكرمة، وتبعد عن المسجد الحرام قرابة 6 كيلو مترات، تقف منشأة الجمرات بصفتها أحد أعظم المشاريع الهندسية في إدارة الحشود عالمياً، إذ يعمل الجسر متعدد الطوابق وفق منظومة تفويج دقيقة تستوعب مئات الآلاف من الحجاج في الساعة، مدعومة بشبكة متكاملة من المداخل والمخارج والمنحدرات والسلالم الكهربائية، صُممت لتفكيك الكتل البشرية وتقليل التزاحم إلى أدنى مستوياته.
في سياق متصل، نفذت السعودية منشأة جمرات تعد من أبرز المشروعات في مشعر منى، بكلفة مالية بلغت أكثر من 4 مليارات و 200 مليون ريال (مليار و119 مليون دولار أمريكي)، بطاقةٍ استيعابية تبلغ 300 ألف حاج في الساعة.
ويبلغ طول المشروع 950 متراً، وعرض 80 متراً، وقد صمم على أن تكون أساساته قادرةً على تحمل 12 طابقا، وخمسة ملايين حاج في المستقبل إذا دعت الحاجة لذلك.
وجرى تقسيمه على ثلاثة أنفاق و11 مدخلاً للجمرات و12 مخرجاً في الاتجاهات الأربعة، مع مراعاة توفير 328 سلماً كهربائياً لضمان انسيابية تنقل وحركة مؤدي النسك، في حين تم تزويده بمهبط لطائرات مروحية لحالات الطوارئ، وأنفاق أرضية ونظام تبريد متطور يعمل بنظام التكييف الصحراوي، يضخ نوعاً من الرذاذ على الحجاج والمناطق المحيطة، مما يسهم في خفض درجة الحرارة إلى نحو 29 درجة.
وأنهت المملكة بذلك المشروع ما يمكن أن ينجم من مخاطر، كانت تحدث بهذه المنطقة المزدحمة، وتجنبت جميع المشكلات الناجمة عن الزحام الشديد الذي يتسبب عند رمي الجمرات.
بالتوازي، تجد دارة الملك عبد العزيز؛ في أعقاب تتبع دقيق للمراحل التاريخية، أن السعودية في العصر الحديث، انطلاقاً من رسالتها السامية، ومكانتها الدينية، وتشرفها بوجود الحرمين والمشاعر المقدسة على أراضيها، تقدم للعالم تجربة فريدة في تنظيم الحج وإدارة الحشود، عبر “أنموذج عظيم يتكرر كل سنة في موسم الحج، الأمر الذي يمكن أن يفيد العالم في هذا الجانب”. وتضيف الدراسة: “المملكة تؤسس قيماً ومبادئ ونظريات، ودروساً علمية، وخبرة على أرض الواقع، تتكرر سنوياً في هذا الجانب”.
ويستخلص تقرير نشرته مجلة أحوال المعرفة التابعة للدارة، أن مناسك الحج كما هو معلوم تستغرق 6 أيام فقط؛ “يوم التروية، وعرفة، ويوم النحر، و3 أيام التشريق”، لكن حكومة المملكة تعمل لكل موسم قبل عام، وتتضافر الجهود وتتعاون الجهات المعنية والمؤسسات المسؤولة، في تقديم كافة الخدمات للحجاج والمعتمرين.
ويشير التقرير إلى إنشاء مدن ومرافق، وبناء بنية تحتية، ومدن متكاملة الخدمات، ومرافق حكومية، من مستشفيات، وشبكات اتصالات، وطرق، وأنفاق، تتجاوز كلفتها المالية مليارات الريالات، لينتهي المطاف عند عملها لمدة ستة أيام فقط من كل عام، ثم تغلق، معتبراً ذلك في إطار المسؤولية، التي تتكفل بها السعودية من منطلق تشريفها، بخدمة الحجاج وضيوف بيت الله الحرام، من كافة بقاع الدنيا.










