اختلالات في البنية التحتية والتخزين وارتفاع الاعتماد على الغاز تكشف جذور الأزمة رغم التوسع في الطاقة المتجددة
لندن – المنشر الإخبارى
تكشف تقارير حديثة للمنشر الاخبارى وتحليلات لخبراء الطاقة أن أزمة الكهرباء في أوروبا لا تعود فقط إلى تقلبات الطقس أو نقص الإنتاج، بل ترتبط بمجموعة أعمق من الأسباب الهيكلية التي تراكمت خلال السنوات الماضية، رغم التوسع الكبير في مشاريع الطاقة المتجددة.
فعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يحقق تقدمًا ملحوظًا في إنتاج الكهرباء من الرياح والشمس، إلا أن النظام الكهربائي في القارة لا يزال يعاني من فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك، بسبب ضعف قدرات التخزين، وتقادم شبكات النقل، وغياب التكامل الكامل بين الدول الأعضاء.
الإنتاج موجود… لكن المشكلة في “التوقيت”
أحد أبرز الأسباب التي يحددها الخبراء هو أن الطاقة المتجددة لا تنتج بشكل مستمر، بل تعتمد على عوامل طبيعية متغيرة.
ففي ساعات النهار، ومع ارتفاع أشعة الشمس وزيادة سرعة الرياح، تنتج أوروبا كميات كبيرة من الكهرباء تفوق احتياجات السوق، ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار بشكل حاد، وأحيانًا إلى إيقاف بعض محطات الإنتاج لتفادي الفائض.
لكن مع غروب الشمس أو انخفاض سرعة الرياح، يحدث العكس تمامًا، حيث يتراجع الإنتاج بشكل كبير، وتضطر الدول الأوروبية إلى تشغيل محطات الغاز والفحم لتعويض العجز، وهو ما يرفع الأسعار ويزيد الضغط على المستهلكين.
ضعف التخزين… الحلقة المفقودة في المعادلة
يُعد نقص قدرات تخزين الطاقة من أهم الأسباب الجوهرية للأزمة، إذ لا تستطيع أوروبا حتى الآن تخزين الفائض من الكهرباء بكميات كافية لإعادة استخدامه لاحقًا.
ورغم التوسع في بطاريات الليثيوم وأنظمة التخزين الكبيرة، فإن القدرات الحالية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الإنتاج المتجدد.
وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن إجمالي قدرات التخزين في القارة لا يتجاوز مستوى يسمح بتغطية جزء بسيط من الطلب في أوقات الذروة، وهو ما يجعل الشبكة تعتمد بشكل شبه دائم على مصادر تقليدية عند الحاجة.
شبكات كهرباء قديمة لا تواكب التحول
من الأسباب الأساسية أيضًا أن البنية التحتية لشبكات الكهرباء في أوروبا لم تُحدَّث بالسرعة الكافية لمواكبة التحول إلى الطاقة النظيفة.
فمعظم شبكات النقل والتوزيع في دول الاتحاد الأوروبي تم إنشاؤها منذ عقود، حين كان النظام يعتمد على محطات مركزية تعمل بالوقود الأحفوري.
أما اليوم، فإن إنتاج الكهرباء أصبح موزعًا بين آلاف محطات الرياح والطاقة الشمسية، ما يتطلب شبكة أكثر مرونة وقدرة على نقل الطاقة عبر مسافات طويلة، وهو ما لا يتوفر بالكامل حتى الآن.
الاعتماد المستمر على الغاز رغم التحول الأخضر
رغم الخطاب الأوروبي القوي حول التحول إلى الطاقة المتجددة، لا تزال محطات الغاز الطبيعي تلعب دورًا محوريًا في توازن الشبكة.
فعندما ينخفض إنتاج الرياح أو الشمس، يتم تشغيل هذه المحطات بسرعة لتعويض النقص، وهو ما يجعل أوروبا ما زالت مرتبطة بشكل كبير بأسواق الغاز العالمية وأسعاره المتقلبة.
وقد زادت هذه المشكلة تعقيدًا بعد التوترات الجيوسياسية الأخيرة، التي أثرت على إمدادات الطاقة ورفعت تكلفتها بشكل ملحوظ.
الفجوة بين الدول الأوروبية
من العوامل الأخرى التي تزيد الأزمة تعقيدًا، عدم التوازن بين دول الاتحاد الأوروبي في إنتاج ونقل الكهرباء.
فبعض الدول مثل ألمانيا وإسبانيا تنتج فائضًا من الطاقة المتجددة، بينما تعاني دول أخرى من عجز واضح، لكن ضعف الربط الكهربائي بين الدول يمنع نقل الطاقة بسهولة وكفاءة.
هذا الاختلال يجعل النظام الأوروبي أقل مرونة، ويؤدي إلى تفاوت كبير في الأسعار بين دولة وأخرى.
ارتفاع الطلب الصناعي والضغط على الشبكة
إلى جانب ذلك، يشهد الطلب على الكهرباء في أوروبا تغيرًا مستمرًا، خاصة مع توسع الصناعات الرقمية ومراكز البيانات والتحول نحو السيارات الكهربائية.
هذا الطلب المتزايد يضيف ضغطًا إضافيًا على الشبكة، في وقت لا تزال فيه القدرة على التخزين والنقل محدودة نسبيًا.
تكلفة التحول الطاقي
تشير تقديرات الاتحاد الأوروبي إلى أن تحديث شبكات الكهرباء وتوسيع قدرات التخزين يتطلب استثمارات ضخمة قد تصل إلى مئات المليارات من اليورو خلال السنوات المقبلة.
لكن بطء التنفيذ، وتعقيد الإجراءات التنظيمية، يعيقان سرعة الاستجابة لهذه الحاجة المتزايدة.
خلاصة التقرير
تخلص التحليلات إلى أن أزمة الطاقة في أوروبا ليست أزمة إنتاج، بل أزمة “إدارة نظام كامل”، يجمع بين التخزين، والنقل، والتوزيع، والتكامل بين الدول.
فبينما نجحت أوروبا في زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، فإنها لم تُكمل بعد بناء البنية التحتية التي تجعل هذا النظام مستقرًا وفعّالًا على مدار الساعة.
وبذلك، تصبح الأزمة الحالية نتيجة مباشرة لنجاح جزئي في التحول الأخضر دون استكمال أدواته الأساسية، وعلى رأسها التخزين الذكي وتحديث الشبكات.










