ستارمر وتوسك يوقعان اتفاقًا دفاعيًا موسعًا يشمل الأمن العسكري والفضاء السيبراني والطاقة في إطار تعزيز الردع الأوروبي ضد روسيا
لندن – المنشر الإخبارى
وقّعت المملكة المتحدة وبولندا اتفاق شراكة دفاعية وأمنية جديد، يهدف إلى تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، وتوسيع قدرات الردع في الجبهة الشرقية لأوروبا، في ظل تصاعد التوترات مع روسيا وتزايد المخاوف من التهديدات الهجينة والأمنية في القارة الأوروبية.
وجاء توقيع الاتفاق خلال زيارة رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إلى لندن، حيث التقى نظيره البريطاني كير ستارمر، في مراسم رسمية أقيمت بقاعدة نورثولت الجوية غرب العاصمة البريطانية، في موقع يحمل دلالات تاريخية مرتبطة بالتعاون العسكري بين البلدين خلال الحرب العالمية الثانية.
اتفاق يتجاوز التعاون العسكري التقليدي
وأكد الجانبان أن الاتفاق الجديد لا يمثل مجرد تحديث لاتفاقات سابقة، بل يعد “قفزة استراتيجية” في مستوى العلاقات الدفاعية بين لندن ووارسو، إذ يهدف إلى مواجهة التهديدات الحديثة التي تشمل الحروب السيبرانية، والتضليل الإعلامي، والهجمات على البنية التحتية الحيوية.
وشملت زيارة الوفد البولندي أيضًا مركز قيادة سلاح الجو الملكي البريطاني في أوكسبريدج، حيث اطّلع الجانبان على التاريخ العسكري المشترك بين البلدين، في إشارة إلى أهمية البعد الرمزي في تعزيز التحالف الجديد.
توسع في مجالات الأمن والدفاع
وينص الاتفاق على توسيع التعاون ليشمل مجالات متعددة، من بينها الأمن العسكري التقليدي، وتعزيز قدرات الردع داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى جانب ملفات الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، والجريمة المنظمة، والتصدي لحملات التضليل.
كما يتضمن الاتفاق تعاونًا في قطاع الطاقة والمرونة الاقتصادية، في إطار رؤية أوسع لتعزيز قدرة البلدين على مواجهة الأزمات المتشابكة.
مشاريع صناعية وتسليح مشترك
ويُعد الجانب الصناعي أحد أبرز محاور الاتفاق، حيث يسعى الطرفان إلى تطوير برامج تسليح مشتركة تشمل إنتاج ذخائر متقدمة، وأنظمة دفاع جوي متوسطة المدى، إلى جانب مشاريع بحرية قائمة بالفعل مثل مشروع “Miecznik” لبناء السفن الحربية، ونظام الدفاع الجوي “Narew”.
ويعكس هذا التوجه رغبة لندن ووارسو في تعزيز استقلالية الصناعات الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على الخارج، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تسريع الإنتاج العسكري داخل القارة.
روسيا في قلب المعادلة الأمنية
ويرى الجانبان أن روسيا تمثل تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد للأمن الأوروبي، ما يبرر تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي وتبادل المعلومات، إضافة إلى تكثيف التدريبات العسكرية المشتركة على الجبهة الشرقية للناتو.
وقال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إن الهدف الأساسي من الاتفاق هو “تعزيز الأمن المشترك وبناء قدرة ردع حقيقية”، مشيرًا إلى أن التهديدات الحديثة لم تعد تقليدية بل تشمل هجمات غير مرئية مثل الاختراقات السيبرانية والتخريب.
من جانبه، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن الاتفاق يمثل “أكبر تقدم في العلاقات الدفاعية بين البلدين منذ جيل”، مشددًا على أهمية مواجهة التحديات الأمنية المعاصرة التي تتجاوز الأشكال العسكرية التقليدية.
بعد سياسي أوروبي أوسع
ويأتي هذا الاتفاق في وقت تحاول فيه بريطانيا إعادة ترسيخ علاقاتها مع أوروبا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، من خلال تعزيز التعاون في مجالات الدفاع والأمن، بالتوازي مع اتفاقات مشابهة أبرمتها لندن مع فرنسا وألمانيا.
كما يعكس الاتفاق توجهًا أوروبيًا متزايدًا نحو بناء شبكة من التحالفات الثنائية إلى جانب الناتو والاتحاد الأوروبي، بهدف تعزيز الجاهزية الدفاعية في مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية.
تعزيز موقع بولندا على الجبهة الشرقية
وتسعى بولندا من جانبها إلى تعزيز موقعها كدولة محورية على الجبهة الشرقية لأوروبا، خاصة في ظل دورها المتزايد في دعم أوكرانيا، وتحولها إلى مركز رئيسي لمرور المساعدات العسكرية الغربية.
كما حصلت وارسو مؤخرًا على تمويلات أوروبية ضخمة لتعزيز قدراتها الدفاعية ضمن برامج الاتحاد الأوروبي، ما يعكس توجهًا عامًا نحو رفع مستوى الإنفاق العسكري في مواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة.
يمثل الاتفاق البريطاني البولندي الجديد خطوة استراتيجية تعكس إعادة تشكيل خريطة التحالفات الدفاعية في أوروبا، حيث تتداخل أدوار الناتو مع مبادرات الاتحاد الأوروبي والشراكات الثنائية بين الدول.
وفي ظل استمرار التوتر مع روسيا، يبدو أن أوروبا تتجه نحو نموذج أمني أكثر تكاملًا يعتمد على التعاون العسكري والتكنولوجي والاقتصادي كأدوات رئيسية لتعزيز الردع والاستقرار.










