الاتحاد الأوروبي يقترب من إنشاء مراكز خارج حدوده لاستقبال طالبي اللجوء المرفوضين وسط تحذيرات من “مناطق قانونية رمادية” ومخاوف بشأن مصير آلاف المرحّلين
لندن – المنشر_الاخباري
تتجه دول الاتحاد الأوروبي نحو تبني واحدة من أكثر سياسات الهجرة إثارة للجدل منذ أزمة اللاجئين عام 2015، بعد التوافق المبدئي على إنشاء ما يُعرف بـ”مراكز العودة” في دول خارج القارة الأوروبية لاستقبال طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم وتعذر ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية.
وتأتي الخطوة في ظل الضغوط السياسية المتزايدة التي تواجهها الحكومات الأوروبية بسبب ارتفاع معدلات الهجرة غير النظامية، وتزايد مطالب الأحزاب اليمينية بتشديد إجراءات اللجوء وتسريع عمليات الترحيل. غير أن الخطة الجديدة فتحت باباً واسعاً من الجدل القانوني والحقوقي، وسط تساؤلات حول مستقبل آلاف الأشخاص الذين قد يجدون أنفسهم عالقين في مراكز خارج أوروبا دون أفق واضح.
ومنذ سنوات تواجه دول الاتحاد الأوروبي صعوبات كبيرة في تنفيذ قرارات الترحيل الصادرة بحق أشخاص رُفضت طلبات لجوئهم، بسبب عدم امتلاك بعضهم وثائق سفر، أو بسبب الأوضاع الأمنية المضطربة في بلدانهم الأصلية، أو نتيجة رفض حكومات تلك الدول استقبالهم مجدداً.
وأمام هذه العقبات، بدأت بروكسل وعدد من العواصم الأوروبية البحث عن بدائل جديدة، كان أبرزها فكرة إنشاء مراكز خارج الاتحاد الأوروبي يتم فيها نقل المرحّلين إلى حين البت في أوضاعهم أو إيجاد حلول دائمة لهم.
وبحسب الصيغة الأولية للخطة، لن يكون من الضروري أن تربط المرحّل أي علاقة سابقة بالدولة التي سيتم نقله إليها، وهو تغيير جوهري مقارنة بالقواعد السابقة التي كانت تشترط وجود صلة أو ارتباط بين الشخص والدولة المستقبلة.
وتشير تقارير أوروبية إلى أن عدداً من الدول مرشح لاستضافة هذه المراكز، من بينها ليبيا وموريتانيا وإثيوبيا وأوزبكستان ورواندا، فيما تجري عدة حكومات أوروبية محادثات منفصلة مع دول أفريقية وآسيوية للحصول على موافقتها مقابل حوافز مالية واقتصادية.
وأثار هذا التوجه انتقادات واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية، حيث حذرت صحف ومنظمات حقوقية من أن هذه المراكز قد تتحول إلى مناطق معزولة تفتقر إلى الضمانات القانونية الكافية.
ويرى منتقدو الخطة أن نقل طالبي اللجوء إلى دول خارج أوروبا لا يحل المشكلة الأساسية، بل ينقلها جغرافياً فقط، بينما تبقى العقبات القانونية والإنسانية نفسها قائمة.
كما تبرز مخاوف تتعلق بظروف الإقامة داخل هذه المراكز، ومدة البقاء فيها، والجهة المسؤولة عن إدارة شؤون المقيمين، إضافة إلى طبيعة القوانين التي ستطبق عليهم وإمكانية حصولهم على المساعدة القانونية والطعن في القرارات الصادرة بحقهم.
وتتساءل جهات حقوقية عما إذا كانت هذه المراكز ستتحول إلى أماكن احتجاز طويلة الأمد، خاصة أن العديد من الأشخاص المرحلين إليها لا يمكن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية لأسباب أمنية أو قانونية.
وفي ألمانيا، أثارت الخطة نقاشاً سياسياً واسعاً، حيث اعتبرت بعض الصحف أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو سياسة غير مسبوقة قد تضع آلاف المهاجرين في “فراغ قانوني” يصعب تحديد المسؤولية عنه.
في المقابل، يدافع مؤيدو المشروع عن الخطة باعتبارها أداة ضرورية لتعزيز فعالية سياسات الهجرة الأوروبية وتقليل الضغوط المتزايدة على أنظمة اللجوء داخل القارة.
ويؤكد المسؤولون الأوروبيون أن الاتفاقات المستقبلية ستشترط التزام الدول المستقبلة بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وأن أي ترتيبات نهائية ستخضع لمراجعة مؤسسات الاتحاد الأوروبي قبل دخولها حيز التنفيذ.
ويرى مسؤولون في عدد من الدول الأوروبية أن مراكز العودة قد تسهم في تسريع إجراءات الترحيل وتقليص أعداد الأشخاص الذين يبقون داخل أوروبا رغم صدور قرارات نهائية بحقهم.
غير أن التجارب السابقة تلقي بظلال من الشك على نجاح هذه الخطط، خصوصاً بعد فشل مشروع بريطانيا المعروف باسم “خطة رواندا”، والذي كلّف مئات الملايين من اليوروهات قبل أن يتم التخلي عنه دون تنفيذ فعلي.
ويؤكد خبراء قانونيون أن نجاح الخطة الأوروبية الجديدة سيتوقف على مدى قدرتها على التوفيق بين متطلبات الأمن والهجرة من جهة، والالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان من جهة أخرى.
ومع استمرار تصاعد الجدل، تبدو أوروبا أمام اختبار سياسي وقانوني معقد قد يعيد رسم ملامح سياسة اللجوء والهجرة في القارة خلال السنوات المقبلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية المطالبة بتشديد الرقابة على الحدود والحد من تدفقات المهاجرين.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه المراكز في حل أزمة الترحيل المزمنة، أم أنها ستخلق أزمة إنسانية وقانونية جديدة خارج حدود الاتحاد الأوروبي؟










