في مقال تحليلي لافت، يؤكد أوالي كولاني، السفير الصومالي السابق والدبلوماسي المخضرم، أن الصومال يقف اليوم عند تقاطع تاريخي حرج. فبينما يستهلك الصوماليون وقتهم في جدالات داخلية حول تنظيم السلطة، أثبت العالم أن مضيق “باب المندب” الممر الحيوي بين القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية قد تحول من منطقة ثانوية إلى “خط صدع” استراتيجي عالمي تتوقف عليه إمدادات الطاقة والتجارة الدولية.
الجغرافيا كمصير استراتيجي
لطالما كان التركيز العالمي منصباً على مضيق هرمز وقناة السويس، لكن تداعيات النزاعات الإقليمية، وتحديداً المواجهة الإسرائيلية الإيرانية وهجمات الحوثيين، أعادت تعريف الأهمية الجيوسياسية للمنطقة.
ويمر عبر باب المندب نحو 12% من التجارة البحرية العالمية، مما جعل الدول العظمى والإقليمية تسارع إلى “تأمين” مواطئ قدم لها على الساحل الصومالي.
ويرى كولاني أن الصومال يجمع بين قيمتين استراتيجيتين: الموقع الجغرافي والقدرات الكامنة، وهو ما جعل منه قبلة للعواصم الأجنبية الساعية لتعزيز نفوذها.
تداخل المصالح والسيادة
يستعرض كولاني الحضور المتزايد للقوى الدولية؛ حيث توسع الإمارات وجودها البحري، وتكثف تركيا عملياتها التدريبية، بينما تبرز التحالفات العسكرية السعودية مع دول القرن الأفريقي، وسط مراقبة مصرية حذرة لارتباط اقتصادها المباشر بقناة السويس. وفي هذا السياق، يأتي اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في ديسمبر 2025 كجزء من محاولة لإعادة صياغة الخرائط الأمنية. ويحذر السفير من أن إقحام نزاعات سيادية في منطقة تشهد تنافساً دولياً محموماً قد يحول الساحل الصومالي إلى مسرح لصراعات خارجية لا تخدم الاستقرار الوطني.
التحدي الداخلي: السباق مع الزمن
يرى كولاني أن الفجوة بين الأهمية الاستراتيجية المتنامية للصومال ومؤسساته السياسية لا تزال كبيرة.
ويشير إلى أن “الشرعية السياسية” هي المفتاح، فالدولة لا يمكنها حماية سيادتها ومصالحها في منطقة مضطربة ما لم تكن مؤسساتها راسخة وموحدة.
ويؤكد أن مسارات الانتخابات والاتفاقيات الاتحادية ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي “درع استراتيجي” يمنح الصومال حرية اتخاذ القرار في عالم لا يرحم الدول الضعيفة.
من “بوابة الدموع” إلى “بوابة الازدهار”
يختتم كولاني مقاله بالتأكيد على أن الفرصة لا تزال قائمة لتحويل “باب المندب” من ممر للصراعات القديمة والمنافسات الجديدة إلى شريان للازدهار التجاري.
وضيف الجغرافيا منحت الصومال مكانة على طاولة المفاوضات الدولية، لكن القدرة على تحويل هذه المكانة إلى رصيد وطني تعتمد بالدرجة الأولى على جودة المؤسسات الصومالية وقدرتها على توحيد الموقف السياسي، مما يضع مستقبل الصومال كفاعل مستقل في يد أبنائه قبل أن تفرضه المتغيرات الخارجية.










