واشنطن- المنشر الاخبارى
اتهمت منظمتا هيومن رايتس ووتش وأوكسفام الكونغرس الأمريكي بالتسبب في حرمان ملايين المواطنين من التغطية الصحية، بعد السماح بانتهاء العمل بالدعم الحكومي المخصص للتأمين الصحي الخاص، بالتزامن مع تمرير قانون ضريبي واسع منح تخفيضات كبيرة للأثرياء والشركات الكبرى.
وقالت المنظمتان إن السياسات المالية والتشريعية الأخيرة في واشنطن أدت إلى تحول جذري في نظام الرعاية الصحية الأمريكي، حيث تراجعت قدرة شرائح واسعة من السكان على تحمل تكاليف التأمين، ما تسبب في فقدان ملايين الأشخاص لتغطيتهم الطبية منذ مطلع عام 2026.
انهيار الإعانات وارتفاع التكاليف
وبحسب التقرير، فإن الإعانات العامة التي كانت تُقدَّم ضمن برامج التأمين الصحي الخاص لم تُمدد في الوقت المناسب، ما أدى إلى انهيار فعلي في منظومة الدعم التي استفاد منها ملايين الأمريكيين خلال السنوات الماضية.
وكانت هذه الإعانات قد توسعت بشكل كبير عام 2021، ثم مُددت حتى نهاية عام 2025، وأسهمت في رفع عدد المشتركين في أسواق التأمين الصحية الإلكترونية إلى نحو 24.3 مليون شخص، إضافة إلى تقليص نسب غير المؤمن عليهم في البلاد.
لكن مع انتهاء العمل بها في 2026، انخفض عدد المسجلين بشكل حاد، حيث فقد أكثر من مليون شخص تغطيتهم مباشرة، مع توقعات بتراجع إجمالي العدد إلى 16.5 مليون مشترك فقط خلال العام الحالي، أي بانخفاض يقارب 6 ملايين مقارنة بالعام السابق.
زيادة حادة في الأقساط
وأشار التقرير إلى أن كلفة التأمين شهدت قفزة كبيرة، إذ ارتفعت الأقساط الشهرية بنسبة تقارب 58% في المتوسط، لتصعد من 113 دولاراً إلى 178 دولاراً شهرياً.
ولم تكن هذه الزيادة متساوية بين جميع الفئات، إذ طالت بشكل أكبر أصحاب الدخل المتوسط وكبار السن غير المؤهلين لبرنامج “ميديكير”، ما زاد من الضغوط الاقتصادية على الأسر الأمريكية.
أبعاد اجتماعية خطيرة
وأظهر استطلاع لمؤسسة “كايسر” أن نحو 9% من المستفيدين السابقين فقدوا تأمينهم الصحي خلال عام 2026، فيما أكد 80% منهم أن السبب المباشر هو ارتفاع التكاليف.
وترى المنظمتان أن هذه التطورات تمثل انتهاكاً واضحاً لـ”الحق في الصحة” كما يقره القانون الدولي، محذرتين من أن ملايين الأمريكيين باتوا مضطرين للاختيار بين العلاج الطبي أو تأمين احتياجاتهم الأساسية مثل السكن والغذاء.
اتهامات بتفضيل الأغنياء
ووجهت هيومن رايتس ووتش وأوكسفام انتقادات حادة للسياسة الضريبية الأمريكية، معتبرتين أن الكونغرس أقرّ في يوليو/تموز 2025 ما يعرف بـ”مشروع الفاتورة الواحدة الجميلة”، والذي عزز التخفيضات الضريبية لصالح أعلى فئات الدخل.
وفي المقابل، تم تجاهل تمديد “الائتمان الضريبي المعزز” الذي كان يخفف من كلفة التأمين الصحي للفئات ذات الدخل المنخفض والمتوسط.
وبحسب التقرير، فإن هذه التعديلات الضريبية منحت فوائد مالية ضخمة للشريحة الأعلى دخلاً في المجتمع الأمريكي، والتي تمثل نحو 0.1% فقط من الأسر، في حين تُقدر مكاسبها بنحو 50 مليار دولار سنوياً.
توسع في عدم المساواة
ويحذر التقرير من أن هذه السياسات ساهمت في توسيع فجوة عدم المساواة داخل الولايات المتحدة، حيث بات الوصول إلى الرعاية الصحية مرتبطاً بشكل أكبر بالقدرة المالية، وليس بالاحتياج الطبي.
كما يشير إلى أن النظام الصحي الأمريكي، رغم كونه الأعلى إنفاقاً في العالم، يواجه أزمة متكررة في شمول الفئات الهشة، مع ارتفاع معدلات عدم التأمين الصحي في السنوات الأخيرة.
انتقادات سياسية متصاعدة
وتأتي هذه الاتهامات في وقت يشهد فيه الكونغرس انقساماً حاداً بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول مستقبل برامج الرعاية الصحية، وسط تحذيرات من أزمة اجتماعية أعمق إذا لم يتم تمديد الدعم الحكومي.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات قد تتحول إلى ملف انتخابي رئيسي في الولايات المتحدة، خصوصاً مع تصاعد الجدل حول العدالة الاجتماعية والسياسات الضريبية والإنفاق العام.
يعكس التقرير الحقوقي الجديد تصاعد الانتقادات الموجهة للسياسات الاقتصادية الأمريكية، في ظل ما يعتبره ناشطون “تحولاً في الأولويات” من دعم الفئات الفقيرة والمتوسطة إلى تعزيز امتيازات الأغنياء، وهو ما يهدد – بحسب المنظمات – أحد أهم أعمدة الحق الأساسي في الصحة داخل الولايات المتحدة.










