تتزايد المخاوف الإنسانية في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان بالسودان، مع تسارع وتيرة العمليات العسكرية وتصاعد وتيرة الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للمدينة.
وبينما يحذر مراقبون من تكرار سيناريوهات الانهيار الإنساني التي شهدتها مدن سودانية أخرى، يعيش السكان واقعاً يومياً قاسياً يتسم بانقطاع الخدمات وشح الموارد الأساسية تحت وقع القصف المستمر.
هجمات المسيرات: شلل كامل للخدمات
شهدت المدينة يوم أمس الأحد تطوراً ميدانياً لافتاً، حيث استهدفت طائرة مسيّرة مقر الفرقة الخامسة مشاة، مما أدى إلى إصابة صهريج وقود داخل المقر. هذا الاستهداف لم يكن معزولاً، إذ تشن الطائرات المسيّرة غارات يومية طالت محطات الوقود والكهرباء والمياه، مما تسبب في شلل شبه كامل للمرافق الحيوية.
وتصف أقسام محمد، وهي نازحة في مخيم الرحمانية على أطراف المدينة، المعاناة اليومية في جلب المياه قائلة: “تُعد الرحلة لجلب المياه عبئاً ثقيلاً، نضطر للسير مسافات طويلة تحت أشعة الشمس لجلب مياه غير صالحة للشرب، وهي الخيار الوحيد المتاح أمامنا”.
ومع تضرر محطات الضخ، بات السكان يعتمدون على آبار بدائية بأسعار باهظة، حيث وصل سعر برميل المياه غير الصالحة للشرب إلى 18 ألف جنيه، بينما يقفز سعر “جركانة” المياه الصالحة للشرب إلى 3 آلاف جنيه.
أهمية استراتيجية وأزمة إنسانية
تعد الأبيض، التي يقطنها نصف مليون نسمة وتؤوي 100 ألف نازح، مركزاً استراتيجياً يربط إقليم دارفور بمناطق وسط وشرق السودان، كما تضم منشآت حيوية تشمل قاعدة جوية، خط أنابيب نفط، وسوقاً ضخمة للصمغ العربي. هذا الموقع جعل منها ساحة صراع محتدمة، حيث تشير التقارير إلى حشود عسكرية كبيرة حول المدينة، مما دفع مجلس الأمن الدولي للإعراب عن قلقه من احتمالية وقوع فظائع جماعية.
وعلى صعيد المعيشة، أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى شلل في المواصلات الداخلية؛ إذ وصل سعر جالون البنزين إلى 150 ألف جنيه، مما انعكس “جنوناً” في أسعار السلع الأساسية. فقد بلغ سعر كيلوغرام لحم الضأن 50 ألف جنيه، وسط استمرار عدم استقرار التيار الكهربائي الذي عرقل الأنشطة التجارية والخدمية.
بين النفي والنداءات العاجلة
في المقابل، نفى والي شمال كردفان، عبد الخالق عبد اللطيف، وجود “حصار” على المدينة، مؤكداً أن القوات المسلحة تتعامل مع الحشود باحترافية، وأن أقرب نقطة تواجد لـ”قوات الدعم السريع” تبعد نحو 57 كيلومتراً.
إلا أن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” أصدر نداءً إنسانياً عاجلاً، واصفاً الوضع بـ”الكارثي”.
ودعا التحالف المجتمع الدولي والأمم المتحدة للتدخل الفوري لفرض هدنة شاملة، وفتح ممرات إنسانية آمنة لإنقاذ المدنيين، وضمان وصول المساعدات الطبية والغذائية، مشدداً على ضرورة حماية المرافق المدنية وفتح مسارات خروج آمنة لمن يرغب من المواطنين في النزوح، وسط آمال خافتة بأن يُستمع لهذه الأصوات قبل أن تتسع رقعة المأساة في قلب السودان.










