في تطور مفاجئ للمشهد القبلي المتوتر في محافظة الجوف اليمنية، أعلن الشيخ حمد بن فدغم الحزمي، أحد أبرز مشايخ قبائل “دهم”، عن هدنة لمدة 48 ساعة بدأت مساء الأربعاء. وجاء هذا القرار، وفقا لتسجيل صوتي للشيخ، استجابة لوساطة قادتها قبائل “وايلة” لتهدئة التوتر المتصاعد في “مطارح الريان”.
جذور الأزمة: بين المظلومية القبلية والتوظيف السياسي
تعود شرارة الأزمة إلى احتجاز الحوثيين للشيخ الحزمي في صنعاء، عقب تدخل الأخير في قضية حقوقية تتعلق باستعادة ممتلكات امرأة لجأت إليه. الحزمي، الذي أكد أنه تعرض لـ”خديعة” من قبل القيادي الحوثي وتاجر السلاح فارس مناع، أشار إلى أنه أجبر على توقيع تعهدات لضمان خروجه من الاحتجاز. وفور وصوله إلى المناطق المحررة في الجوف، أطلق الحزمي “نكفا قبليا” واسعا، مستنهضا قيم “الفزعة والكرامة” للمطالبة بحقوقه، والإفراج عن السيدة التي كانت برفقته وما زالت محتجزة لدى الميليشيا.
تساؤلات حول “الانشقاق” والواقعية السياسية
رغم الحشود القبلية التي استجابت لنداء الحزمي، إلا أن تصريحاته الأخيرة خيبت آمال من راهنوا على “انشقاق سياسي” كبير. فقد نفى الحزمي بوضوح انضمامه إلى صفوف الحكومة الشرعية، مؤكدا أن وجوده في الجوف يقتصر على كونه “مطرحا قبليا”، وأن خلافه مع الحوثيين “شخصي” ولا علاقة له بالمشروع الوطني أو الحرب الدائرة.
هذا الموقف يعيد إلى الأذهان السجل المتقلب للرجل؛ فهو الذي انشق سابقا عن الحوثيين، وقاد تشكيل عسكري في الجوف، ثم عاد بآلياته وعتاده ليسلمها للحوثيين، قبل أن يعود هو شخصيا إلى صنعاء. هذا التاريخ يجعل المراقبين ينظرون إلى تحركاته الحالية بعين الحذر، معتبرين أنها لا تتجاوز كونها خلافات ظرفية تحكمها المصالح الشخصية وهيبة القبيلة، أكثر مما تحكمها القناعات السياسية.
خطاب العاطفة والمصير المتكرر
يبرع الحزمي في استخدام الخطاب القبلي العاطفي لجذب التعاطف الشعبي، سواء عبر الحديث عن تعرضه للإهانة أو استحضار قضايا مثيرة للجدل، مثل قضيته المرتبطة بشخصية تدعي أنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. ومع ذلك، يرى المحللون أن هذا التحرك هو “نسخة معدلة” من تجاربه السابقة، حيث لا يقدم الرجل مشروعا سياسيا ثابتا، بل يتحرك ضمن مسارات تضمن له حفظ ماء الوجه.
ويبدو الرهان على أن هذا الخروج سيشكل اختراقا في بنية جماعة الحوثي أمرا مبالغا فيه. فالسيناريو الأرجح هو أن الأزمة ستنتهي بتسوية قبلية تحفظ كرامة الأطراف، ليعود الرجل لاحقا إلى المربع الأول، في مشهد بات يتكرر في اليمن؛ حيث تظل القبيلة هي الوسيط، والمصلحة هي البوصلة، ولا تعني كل مغادرة انشقاقا، ولا يقود كل خلاف إلى قطيعة نهائية.










