تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) هذا الأسبوع في أنقرة، لتشكل محطة مفصلية تعكس بوضوح تطلعات تركيا تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.
ففي الوقت الذي واجهت فيه سياسة أردوغان الخارجية -التي وُصفت بالقسرية والعدوانية- انتقادات واسعة بدعوى أنها تعزل البلاد وتنهك اقتصادها، تبرز الوقائع اليوم لتؤكد أن تركيا تفرض نفسها كلاعب إقليمي ثقيل الوزن، مستندة إلى قاعدة صناعية وعسكرية صلبة.
طفرة في الصناعات الدفاعية
لقد تحولت تركيا في العام الماضي تحديداً إلى ورشة تصنيع عسكري كبرى. وتستغل أنقرة قمة الناتو لتكون منصة استعراض دولية لمنتجاتها الحربية، ساعية لتعزيز صادراتها الدفاعية.
ويشدد أردوغان على أن “أمن أوروبا لا يمكن تصوره بدون تركيا”، مؤكداً رغبة بلاده في الاندماج الكامل في هياكل الدفاع الأوروبية، بما في ذلك برنامج “سيف” الطموح.
تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في الناتو بـ 355 ألف جندي، إضافة إلى 378 ألفاً في الاحتياط. لكن الطموح تجاوز كِبر حجم القوات إلى امتلاك “القوة الصانعة”. وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، قفزت صادرات السلاح التركي بنسبة 48% في عام 2025، وتصنف صناعتها الدفاعية الآن في المرتبة الحادية عشرة عالمياً.
وفي تصريحات تلخص هذا التحول، قال أردوغان: “نحقق الآن في أسبوع واحد ما كنا نحققه في عام كامل”، مشيراً إلى تصدير طائرات مسيرة (مثل بيرقدار) ودبابات وسفن حربية، كان أبرزها تصدير سفينة حربية إلى رومانيا، في سابقة لدولة عضو في الناتو والاتحاد الأوروبي.
الإنفاق العسكري: معادلة القوة الإقليمية
لم تعد أنقرة تكتفي بدور المورد، بل تسعى لتكون الشريك الاستراتيجي الذي يحدد السياسات. وقد بلغ الإنفاق العسكري التركي 30 مليار دولار في عام 2025، متجاوزاً ميزانيات الدفاع لدول الجوار (اليونان، العراق، أذربيجان، بلغاريا، أرمينيا، وجورجيا) مجتمعة، والتي استقرت عند 25 مليار دولار.
وتشير بيانات SIPRI إلى أن الإنفاق الدفاعي التركي نما خلال العقد الماضي بنسبة 94%، مقارنة بمتوسط نمو عالمي بلغ 41%. هذا التوسع لا يعكس حالة من الذعر الأمني، بل استراتيجية سياسية متكاملة.
القوة العسكرية كأداة لـ “تعديل النظام”
توضح الدكتورة آسا أوفير، الخبيرة في الشؤون التركية بجامعة أرييل، أبعاد هذا التحول بقولها: “التوسع العسكري التركي ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لدعم سياسة خارجية طموحة وتعديلية؛ فتركيا دولة تسعى لتغيير النظام القائم”.
لقد ولت الأيام التي كانت تعتمد فيها تركيا على سياسات الحفاظ على “الوضع الراهن”. اليوم، تتبنى أنقرة نهجاً استقلالياً يرفض قبول موازين القوى المفروضة عليها عالمياً وإقليمياً. وترى الدكتورة أوفير أن صانع القرار التركي يدرك تماماً أن “الطموح الدبلوماسي يجب أن يكون مدعوماً بقوة عسكرية ضاربة”.
هذه الرؤية هي المحرك الأساسي لتعزيز القدرات العسكرية؛ فإذا كانت تركيا تطمح للتأثير في شرق المتوسط، والبحر الأسود، والقوقاز، والشرق الأوسط، وصولاً إلى البلقان وأفريقيا، فهي بحاجة لقوة قادرة على بسط نفوذها العابر للحدود.
إن تكوين هذه القوة ليس مجرد إجراء دفاعي، بل هو الأساس المتين الذي تُبنى عليه طموحات تركيا الجيوسياسية “العثمانية الطابع”، والتي تسعى لاستعادة دور تركيا التاريخي كقوة مركزية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات أمنية أو سياسية دولية.











