حذرت مؤسسة تونسية رسمية من عمليات خداع وترويج واسعة للبطاريات المنزلية وكأنها الحل السحري لانقطاعات الكهرباء، في ظل تكرار أزمات انقطاع التيار الكهربائي في البلاد، مؤكدة أن الواقع التقني والاقتصادي أكثر تعقيدا بكثير مما يتم ترويجه تجاريا.
وقالت الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس إن الأسواق تشهد ترويجا مضللا للبطاريات المنزلية، مشيرة إلى أنه وفق مثال حسابي بسيط، فإن منظومة تخزين بسعة 10 كيلوواط/ساعة -والتي تكفي لتشغيل مكيف هواء واحد مع ثلاجة وتلفاز وبعض الإنارة لمدة تقارب ثلاث ساعات- تبلغ تكلفتها الإجمالية مع التجهيزات والتركيب حوالي 12 ألف دينار. وتساءلت الجمعية عما إذا كانت أغلبية الأسر التونسية قادرة على تحمل هذه الكلفة الباهظة، لتجيب بأن ذلك غير ممكن تماما للمواطن العادي.
أعباء اقتصادية وجدوى محدودة للأسر
وأضافت الجمعية أنه حتى بالنسبة لمن يملك القدرة المالية، فإذا افترضنا أن انقطاع الكهرباء لا يتجاوز 60 ساعة سنويا، وأن عمر البطارية الافتراضي يصل إلى خمس سنوات، فإن المنظومة ستستعمل لحوالي 300 ساعة فقط طوال تلك الفترة. وعند احتساب كلفة الاستثمار الإجمالية على إجمالي الطاقة المستهلكة، فإن كلفة الكيلوواط/ساعة الواحد قد تصل إلى نحو 12 دينارا، وهو ما يعارب 50 مرة متوسط سعر الكهرباء النظامية المزودة من قبل الشركة التونسية للكهرباء والغاز.
وأكدت الجمعية أن المشكلة الحقيقية للشبكة الكهربائية الوطنية ليست فيما بعد الانقطاع، بل تكمن في كيفية تفادي الانقطاع أصلا عبر توفير طاقة إضافية كافية في أوقات الذروة. وأوضحت أن المنظومات التي يقع الترويج لها اليوم مصممة أساسا لتخزين الطاقة للاستعمال الشخصي الفردي عند انقطاع الكهرباء فحسب، ولا تشجع على ضخ الطاقة المخزنة في الشبكة العامة عند الحاجة الملحة إليها.
رفض الدعم العمومي للحلول الفردية
وفي سياق متصل، شددت الجمعية على أنه إذا كانت هذه المنظومات عالية الكلفة ولا يستطيع اقتناءها سوى عدد محدود جدا من المواطنين، وتحقق منفعة خاصة لصاحبها أكثر من تحقيق منفعة جماعية للشبكة، فإنه من الصعب اعتبارها أولوية تستوجب تمويلا عموميا عبر منح أو إعفاءات ضريبية تقتطع من أموال جميع دافعي الضرائب. وفي المقابل، أكدت أن من يرغب في الاستثمار فيها ويملك الإمكانيات المالية الشخصية، فذلك حقه المشروع.
وأوضحت الجمعية أن التخزين الكهربائي يمثل حقا أحد أهم حلول المستقبل الواعدة، لكن بشرط حصري أن يكون جزءا من منظومة ذكية متكاملة تسمح باستعمال البطاريات طوال السنة، عبر عمليات الشحن والتفريغ المنتظمة وفق حاجيات الشبكة العامة، وليس فقط خلال ساعات الانقطاع الطارئة. وهذا يتطلب قبل كل شيء تعميم استخدام العدادات الذكية التي تمكن من إدارة الطاقة في الاتجاهين، وتشجع على ضخ الكهرباء الفائضة عند الحاجة إليها.
نحو سياسة وطنية لحماية الشبكة الكهربائية
واعتبرت الجمعية أن تركيب العدادات الذكية ينبغي أن يمثل أولوية وطنية مطلقة، لأنها تمثل البنية الأساسية الصلبة التي ستجعل التخزين والطاقة الشمسية أكثر نجاعة، وتحقق منفعة مزدوجة للمستهلك وللشبكة في آن واحد.
وأشارت إلى أن هذه المقاربة تبدو أكثر قابلية للتطبيق الفعلي في قطاع الجهد المتوسط لدى المؤسسات الصناعية، حيث ينتظر تعميم العدادات الذكية بما يسمح باستعمال البطاريات لدعم الشبكة خلال فترات الذروة، والمساهمة الفعالة في الحد من مخاطر الانقطاعات مستقبلا.
وخلصت الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة إلى أن المطلوب وطنيا ليس مجرد قوارب نجاة فردية مؤقتة لفئة محدودة، بل سياسة وطنية شاملة تعزز صمود الشبكة الكهربائية وتخدم المصلحة العامة للبلاد.
واختتمت بالتأكيد على أن المنظومات الفردية تبقى خيارا مشروعا لمن يستطيع تحمل كلفتها المادية، لكنها لا ينبغي أبدا أن تتحول إلى أولوية في الدعم العمومي على حساب المجموعة الوطنية، مشددة على أن الهدف الأساسي يجب أن يبقى الاستثمار في حلول تحمي الشبكة الوطنية قبل وقوع الانقطاع، لا الاكتفاء بحلول ترقيعية تخفف آثارها فقط بعد وقوعها.










