وزير الخارجية الإيراني يؤكد أن صمود بلاده خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً غيّر مسار المواجهة، ويقول إن طهران دخلت المسار الدبلوماسي من موقع أقوى
طهران – المنشر_الاخباري
قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن إيران حققت، وفق تقييم طهران، انتصاراً على المستويين العسكري والدبلوماسي خلال المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكداً أن صمود القوات الإيرانية والشعب الإيراني دفع الخصوم في نهاية المطاف إلى الانتقال من خطاب التهديد والمطالبة بالاستسلام إلى السعي نحو التفاوض.
وجاءت تصريحات عراقجي، الثلاثاء، خلال مراسم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين قطاعي الدبلوماسية والصحة، بهدف المساهمة في إعادة بناء البنية التحتية والمنشآت التي تضررت خلال الحرب الأخيرة.
وأكد وزير الخارجية الإيراني أن الحرب التي استمرت 12 يوماً شهدت، بحسب وصفه، مشاهد استثنائية من الشجاعة والتضحية، مشيراً إلى أن المواجهة لم تقتصر على العمليات العسكرية، بل شملت مختلف مؤسسات الدولة والقطاعات الخدمية والطبية التي عملت على إبقاء الخدمات الأساسية مستمرة رغم الظروف الأمنية الصعبة.
وقال عراقجي إن الإيرانيين تمكنوا خلال الحرب من الحفاظ على سبل المعيشة والخدمات الصحية والطبية وخدمات النظافة، معتبراً أن استمرار عمل هذه القطاعات شكّل جزءاً من قدرة البلاد على الصمود أمام الضربات.
وفي الجانب العسكري، شدد عراقجي على أن القوات الإيرانية استطاعت، وفق روايته، مواجهة قوة عسكرية كبرى وإفشال أهدافها، معتبراً أن النتيجة أثبتت قدرة إيران على الصمود في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الغربية التي دعمت العمليات العسكرية.
وأضاف أن إيران أظهرت للعالم أنها قادرة على الدفاع عن نفسها ومواصلة القتال رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الذي تتمتع به القوى المقابلة.
وأشار عراقجي إلى أن عدداً من المسؤولين الأجانب، وبينهم وزراء خارجية، أبدوا دهشتهم من مستوى المقاومة الإيرانية خلال الحرب، وقال إن كثيرين لم يتوقعوا أن تتمكن طهران من الاستمرار في المواجهة بهذه الطريقة.
وبحسب الوزير الإيراني، فإن التطور الأبرز تمثل في انتقال الخصم من المطالبة بالاستسلام إلى البحث عن المفاوضات. وقال إن الطرف الذي طالب في بداية الحرب بـ«الاستسلام غير المشروط» وجد نفسه بعد فترة يسعى إلى فتح مسار تفاوضي، معتبراً أن هذا التحول يعكس تأثير الصمود الإيراني على مسار المواجهة.
ولم يحصر عراقجي ما وصفه بالانتصار في الميدان العسكري، بل ربطه أيضاً بالمسار الدبلوماسي الذي أعقب الحرب، مؤكداً أن إيران تمكنت خلال المفاوضات من الدفاع عن مصالحها والحفاظ على مواقفها الأساسية.
وقال إن مسؤولين من دول مختلفة أبلغوه، بحسب تصريحاته، بأن إيران «فازت بالحرب والدبلوماسية»، في إشارة إلى أن طهران تمكنت، من وجهة نظره، من منع فرض شروط أحادية عليها والانتقال إلى مرحلة تفاوضية تستند إلى الالتزامات المتبادلة.
وأضاف عراقجي أن بلاده لم تدخل العملية الدبلوماسية منفصلة عن نتائج الميدان، بل استفادت من قدرتها على الصمود في تعزيز موقفها السياسي والتفاوضي.
وأكد أن إيران تعاملت مع المواجهة باعتبارها معركة عسكرية وسياسية في الوقت نفسه، وأن الحفاظ على الموقف الإيراني خلال الحرب منح الدبلوماسية الإيرانية مساحة أكبر للتحرك بعد توقف العمليات.
وتأتي تصريحات عراقجي وسط استمرار الخلافات بين طهران وواشنطن بشأن التفاهمات التي أنهت الحرب، وشروط تثبيت التهدئة ومنع عودة التصعيد.
وكان الوزير الإيراني قد أكد في تصريحات سابقة أن إيران لن تدخل في مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة ما دامت واشنطن، بحسب موقف طهران، لا تلتزم بالتفاهمات المتعلقة بإنهاء الحرب.
ويشير هذا الموقف إلى أن انتهاء العمليات العسكرية لم ينهِ المواجهة السياسية بين البلدين، وإنما نقلها إلى طاولة التفاوض، حيث تسعى كل جهة إلى تثبيت روايتها بشأن نتائج الحرب وتحديد شروط المرحلة المقبلة.
وتتمسك طهران بأن أي اتفاق جديد يجب أن يتضمن التزامات واضحة وضمانات تمنع تكرار الهجمات، في حين تسعى واشنطن إلى الحفاظ على أدوات الضغط السياسية والأمنية التي استخدمتها خلال الأزمة.
وفي هذا السياق، تحاول إيران تحويل ما تعتبره صموداً عسكرياً إلى مكاسب دبلوماسية طويلة الأمد، من خلال التأكيد على أن أي مفاوضات مقبلة يجب أن تقوم على مبدأ الندية، لا على الإملاءات أو الضغوط.
ويرى الخطاب الإيراني أن إجبار الخصم على الانتقال من التهديد العسكري إلى التفاوض يمثل بحد ذاته نتيجة استراتيجية مهمة، حتى في حال استمرار الخلافات حول القضايا الأساسية.
كما يبرز في تصريحات عراقجي تركيز واضح على البعد الداخلي للحرب، إذ ربط قدرة إيران على الصمود ليس فقط بأداء القوات المسلحة، وإنما أيضاً باستمرار مؤسسات الدولة والقطاع الصحي والخدمات العامة في العمل خلال المواجهة.
وقال إن تضحيات الإيرانيين والعاملين في القطاع الطبي وقطاعات الخدمات أسهمت في تجاوز تداعيات الحرب، مشدداً على أن ما وصفه بالانتصار لم يكن نتيجة عسكرية منفردة، وإنما حصيلة صمود مجتمعي وسياسي وعسكري متكامل.
وتسعى طهران في المرحلة الحالية إلى تثبيت هذا التصور على المستوى الإقليمي والدولي، بالتزامن مع تكثيف اتصالاتها مع عدد من الدول، في محاولة لتجنب عزلها سياسياً وتعزيز موقفها في الملفات الإقليمية المرتبطة بالأزمة.
وبالنسبة لإيران، فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون فقط في استمرار وقف إطلاق النار، وإنما في مدى قدرة الأطراف على الالتزام بالتفاهمات ومنع العودة إلى المواجهة.
وفي المقابل، فإن أي انهيار في التفاهمات أو عودة إلى التصعيد قد يعيد المنطقة إلى دائرة جديدة من المواجهة، خصوصاً في ظل استمرار الملفات الخلافية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
وتعكس تصريحات عراقجي رغبة واضحة في تقديم الحرب الأخيرة باعتبارها نقطة تحول في العلاقة مع خصوم إيران، إذ ترى طهران أن قدرتها على الصمود أجبرت الطرف المقابل على إعادة حساباته والانتقال إلى المسار الدبلوماسي.
وبينما يبقى تقييم نتائج الحرب موضع خلاف بين الأطراف، فإن المؤكد أن المرحلة التي تلت المواجهة أصبحت تحمل طابعاً تفاوضياً أكثر وضوحاً، وأن مستقبل التهدئة سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة إيران والولايات المتحدة على التوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.
ويؤكد عراقجي أن طهران لن تتعامل مع أي مفاوضات مقبلة باعتبارها استمراراً للضغوط التي سبقت الحرب، بل باعتبارها مساراً يجب أن يعكس، من وجهة نظرها، التوازنات التي تشكلت خلال المواجهة.
وبذلك، تحاول الدبلوماسية الإيرانية تثبيت معادلة جديدة عنوانها أن الصمود العسكري منح طهران ورقة تفاوضية، وأن الانتقال إلى الحوار لا يعني التراجع عن المواقف الأساسية، بل يمثل، وفق الرواية الإيرانية، نتيجة مباشرة لفشل خيار الضغط في إجبارها على الاستسلام.










