يرى تحليل سياسي أن استمرار الحرب السودانية وتنامي دور الجماعات المسلحة ذات التوجه الإسلامي قد يحول السودان إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي، بما يهدد الاستثمارات الصينية وخطوط التجارة والطاقة الممتدة من البحر الأحمر إلى شرق أفريقيا وجنوب السودان.
بكين – المنشر_الاخباري
تتزايد المخاوف داخل الأوساط البحثية والاستراتيجية من أن تؤدي الحرب المستمرة في السودان إلى تداعيات تتجاوز حدود البلاد، مع اتساع نفوذ الجماعات المسلحة ذات الخلفية الإسلامية، وهو تطور قد يضع الصين أمام تحديات أمنية واقتصادية متنامية في واحدة من أهم المناطق الحيوية بالنسبة لمصالحها العالمية.
ووفقًا لتحليل نشرته منصة Modern Diplomacy، فإن بكين لا تنظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها نزاعًا داخليًا فحسب، بل كعامل قد يؤثر بصورة مباشرة على أمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي، ومستقبل استثماراتها الضخمة في البنية التحتية والطاقة، فضلًا عن سلامة طرق التجارة التي تعتمد عليها في نقل البضائع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وأشار التقرير إلى أن الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 أضعفت مؤسسات الدولة السودانية بصورة كبيرة، وأوجدت فراغًا أمنيًا سمح بتمدد عدد من التشكيلات المسلحة، من بينها لواء البراء بن مالك، الذي برز كأحد أبرز الفصائل المساندة للقوات المسلحة السودانية خلال المعارك الأخيرة.
ولفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة فرضت في سبتمبر 2025 عقوبات على اللواء بسبب مشاركته في الحرب واتهامات بارتباطه بإيران، قبل أن تصنف واشنطن في مارس 2026 الحركة الإسلامية السودانية، المعروفة أيضًا بالإخوان المسلمين في السودان، منظمة إرهابية، مع تحديث العقوبات المفروضة على اللواء المرتبط بها. ويرى التحليل أن هذه الإجراءات الدولية زادت الضغوط على تلك الجماعات، لكنها قد تدفعها في المقابل إلى العمل بصورة أكثر استقلالًا وتنظيمًا خارج الأطر الرسمية.
وأوضح التقرير أن بكين لا تركز في تقييمها على الخلفية الأيديولوجية لهذه الجماعات بقدر اهتمامها بانعكاسات توسعها على استقرار الدولة السودانية، إذ إن استمرار تفكك المؤسسات الأمنية قد يحول السودان إلى ساحة صراع مفتوحة تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، بما يزيد صعوبة حماية الاستثمارات الصينية أو ضمان أمن المواطنين والشركات الصينية العاملة هناك.
وأشار التحليل إلى أن السودان يحتل موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية على البحر الأحمر، وهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأكد أن أي تدهور إضافي في الوضع الأمني على الساحل السوداني قد يفاقم المخاطر التي تواجه الملاحة الدولية، خاصة في ظل التوترات القائمة أصلًا في البحر الأحمر والهجمات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
ويرى التقرير أن هذه التطورات تمثل مصدر قلق خاص للصين، التي تعتمد بصورة كبيرة على استقرار خطوط الملاحة البحرية لنقل صادراتها ووارداتها، فضلًا عن ارتباط البحر الأحمر بمبادرة “الحزام والطريق”، التي تعد أحد أهم المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية الصينية خلال العقود الأخيرة.
وأضاف أن استمرار الفوضى الأمنية قد ينعكس كذلك على الشركات الصينية العاملة في السودان، خاصة في قطاعات النفط والتعدين والبنية التحتية، حيث تصبح حماية العاملين والمشروعات أكثر صعوبة مع تراجع سلطة الدولة وازدياد نفوذ الجماعات المسلحة.
كما تناول التقرير التأثيرات المحتملة للأزمة على جنوب السودان، موضحًا أن اقتصاد جوبا يعتمد بصورة شبه كاملة على تصدير النفط عبر الأراضي السودانية وصولًا إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر.
وأشار إلى أن أي اضطراب أمني يطال خطوط الأنابيب أو منشآت التصدير أو الموانئ السودانية قد يؤدي إلى تعطيل صادرات النفط الجنوب سوداني، وهو ما سينعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي وعائدات الدولة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية بالنسبة للصين، باعتبارها أحد أكبر المستثمرين في قطاع النفط بجنوب السودان وأحد أبرز شركائه التجاريين، كما أن البلدين أعلنا في عام 2024 إقامة شراكة استراتيجية لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وبحسب التقرير، فإن استمرار الحرب في السودان قد يهدد بصورة غير مباشرة المصالح الصينية في جنوب السودان، حتى في حال عدم انخراط بكين في النزاع السوداني نفسه.
وفي المقابل، أوضح التحليل أن الصين ما زالت متمسكة بسياسة عدم التدخل المباشر، إذ تواصل الدعوة إلى وقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية، مع الحفاظ على علاقاتها مع مؤسسات الدولة السودانية والأطراف الإقليمية المختلفة.
وأشار إلى أن بكين سبق أن طالبت بعد الهجمات التي استهدفت مدينة بورتسودان بحماية المدنيين والمنشآت المدنية، ودعت جميع الأطراف إلى إنهاء القتال والتوصل إلى تسوية سياسية تحفظ استقرار البلاد.
ورغم هذا الموقف، يرى التقرير أن الصين عززت تدريجيًا قدراتها على حماية مصالحها الإقليمية، مستفيدة من وجودها العسكري في جيبوتي، التي تستضيف أول قاعدة عسكرية صينية خارج الأراضي الصينية، وتوفر لبكين نقطة ارتكاز مهمة لمتابعة التطورات في البحر الأحمر وخليج عدن وغرب المحيط الهندي.
وأشار كذلك إلى توسع التعاون الأمني بين الصين وجنوب السودان، والذي شمل مؤخرًا دعم مؤسسات الأمن وإنشاء مختبرات متخصصة للأدلة الجنائية، في إطار تعزيز قدرات الدولة على مواجهة التحديات الأمنية.
وأكد التقرير أن هذه التحركات لا تعني استعداد الصين للتدخل العسكري في السودان، وإنما تعكس سعيها إلى امتلاك أدوات تمكنها من حماية مواطنيها ومشروعاتها إذا تدهور الوضع الإقليمي بصورة أكبر.
وفي ما يتعلق بالمشهد السياسي، يرى التقرير أن بكين ستواصل خلال المرحلة المقبلة دعم المبادرات الدبلوماسية عبر الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والشركاء الإقليميين، مع التركيز على الحلول السياسية والحفاظ على استقرار السودان وجنوب السودان باعتبارهما عنصرين أساسيين لأمن البحر الأحمر.
كما لفت إلى أن استمرار الحرب قد يجعل من السودان محورًا جديدًا للتنافس بين القوى الدولية والإقليمية، في ظل تقاطع المصالح المتعلقة بالموانئ والطاقة والموارد الطبيعية والممرات البحرية.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الصين لا يتمثل في صعود جماعة مسلحة بعينها، وإنما في احتمال تحول السودان إلى دولة تعاني فراغًا أمنيًا طويل الأمد، يسمح بانتشار جماعات مسلحة متعددة وتزايد التدخلات الخارجية، وهو سيناريو قد يهدد المصالح الصينية الممتدة من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي وجنوب السودان.
وأضاف أن بكين لا تزال تراهن على استعادة الاستقرار من خلال المسار السياسي، لكنها تدرك أن إطالة أمد الحرب ستجعل الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية أكثر صعوبة، وقد تفرض عليها في المستقبل مراجعة أدواتها لحماية نفوذها في واحدة من أكثر المناطق أهمية للتجارة العالمية.










