بورتسودان- المنشر_الاخباري
شهدت الساحة العسكرية في السودان تطورًا جديدًا مع إعلان حركة العدل والمساواة السودانية انشقاق 265 مقاتلًا عن فصيل منشَق متحالف مع قوات الدعم السريع، وعودتهم إلى صفوف الحركة والقوات التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني، في خطوة تعكس استمرار التحولات والانقسامات داخل التحالفات المسلحة منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.
وقالت حركة العدل والمساواة، التي يقودها وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم والموقعة على اتفاق جوبا للسلام لعام 2020، إن المجموعة المنشقة تضم 15 ضابطًا وأكثر من 250 ضابط صف وجندي، بقيادة القائد بشير أبكر عبد السلام.
وبحسب الحركة، فإن هؤلاء المقاتلين انفصلوا عن الفصيل الذي يقوده سليمان صندل، الأمين السياسي السابق لحركة العدل والمساواة، والذي أسس مجموعة منفصلة في أغسطس/آب 2023 على خلفية خلافات مرتبطة بالحرب، قبل أن ينضم فصيله إلى قوات الدعم السريع.
وأكد المتحدث باسم الحركة محمد زكريا أن المقاتلين العائدين قرروا دعم القوات المسلحة السودانية والقوة المشتركة، وهي تشكيل يضم حركات دارفورية موقعة على اتفاق جوبا وتقاتل إلى جانب الجيش في مواجهة قوات الدعم السريع.
وأوضحت حركة العدل والمساواة أن الإجراءات الإدارية الخاصة بدمج المجموعة في صفوفها النشطة بدأت بالفعل، ما يعني أن الانشقاق لا يقتصر على إعلان سياسي، بل قد يتحول إلى إضافة عسكرية مباشرة إلى معسكر الجيش وحلفائه.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه الحرب السودانية تحولات متسارعة في ولاءات الجماعات المسلحة، إذ باتت الانشقاقات وإعادة التموضع ظاهرة متكررة بين الفصائل والقادة الميدانيين، خصوصًا في إقليم دارفور والمناطق المتاخمة له.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بسبب طبيعة حركة العدل والمساواة وعلاقاتها العسكرية والسياسية مع معسكر الجيش. فالحركة كانت من أبرز الحركات المسلحة في دارفور، ثم أصبحت بعد توقيع اتفاق جوبا جزءًا من الترتيبات السياسية والأمنية الجديدة، قبل أن تنخرط قواتها في القتال إلى جانب الجيش ضد الدعم السريع.
في المقابل، يعاني معسكر الدعم السريع من انشقاقات مماثلة خلال الأشهر الأخيرة، شملت قادة ومقاتلين من مناطق مختلفة، الأمر الذي يعكس صعوبة الحفاظ على تماسك التحالفات العسكرية التي تشكلت خلال الحرب.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى انشقاق مجموعات من قوات الدعم السريع وانضمامها إلى الجيش، في حين شهد أغسطس/آب تحركات أخرى لقادة ميدانيين غادروا صفوف الدعم السريع. وتُظهر هذه التطورات أن السيطرة على المقاتلين والقيادات المحلية أصبحت جزءًا أساسيًا من الصراع، إلى جانب السيطرة على المدن والطرق ومصادر الإمداد.
ويأتي انضمام 265 مقاتلًا إلى حركة العدل والمساواة في وقت يحاول فيه الجيش السوداني تعزيز مواقعه على عدة جبهات، بينما لا تزال قوات الدعم السريع تحتفظ بوجود عسكري قوي في أجزاء واسعة من دارفور ومناطق أخرى.
ولا تعني الانشقاقات بالضرورة انهيار قوات الدعم السريع، لكنها قد تؤثر في قدرتها على الاحتفاظ ببعض المناطق، خصوصًا إذا ترافقت مع انقسامات قبلية ومحلية أو فقدان قادة ميدانيين قادرين على حشد المقاتلين وتأمين خطوط الإمداد.
وفي المقابل، يواجه الجيش السوداني نفسه تحديًا يتعلق بتعدد الفصائل المسلحة التي تقاتل إلى جانبه. فقد أدى استمرار الحرب إلى اتساع دائرة القوى العسكرية المساندة للجيش، ما يطرح مستقبلاً سؤالًا صعبًا حول كيفية دمج هذه القوات في مؤسسة عسكرية موحدة بعد توقف القتال.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة مباشرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل أصبحت شبكة معقدة من التحالفات والانشقاقات وإعادة تشكيل النفوذ العسكري.
وفي دارفور على وجه الخصوص، تلعب الحركات المسلحة والقوات المحلية دورًا متزايدًا في تحديد ميزان القوى. ولذلك فإن انتقال مئات المقاتلين من فصيل موالٍ للدعم السريع إلى معسكر الجيش يمثل أكثر من مجرد تغيير في الولاء؛ فهو مؤشر على أن الخريطة العسكرية في الإقليم لا تزال قابلة لإعادة التشكل.
كما أن توقيت الانشقاق يضيف أهمية سياسية إلى التطور، إذ يأتي بينما يحاول الجيش وحلفاؤه استثمار المكاسب العسكرية الأخيرة لتعزيز موقفهم في أي مفاوضات مستقبلية حول إنهاء الحرب.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الانشقاقات من كلا الجانبين قد يجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر تعقيدًا، لأن أي اتفاق لإنهاء الحرب لن يتعامل فقط مع طرفين رئيسيين، وإنما مع عدد كبير من الجماعات المسلحة التي أصبحت لها مصالح ومراكز نفوذ مستقلة.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تكون عودة 265 مقاتلًا إلى صفوف حركة العدل والمساواة جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب القوى المسلحة في السودان، وليس مجرد حادثة منفصلة.
وتظل تفاصيل أسباب انشقاق المجموعة محدودة في المعلومات المعلنة حتى الآن، فيما لم يتضح من البيانات المتاحة ما إذا كان الانضمام سيؤدي إلى تغييرات ميدانية فورية أو انتشار جديد للقوات على جبهات القتال.
لكن الإعلان يسلط الضوء مجددًا على هشاشة التحالفات العسكرية في الحرب السودانية، وعلى قدرة القادة المحليين على نقل قواتهم بين المعسكرات المتنافسة.
ومع استمرار القتال، قد تصبح الانشقاقات الجماعية عاملًا مؤثرًا في تحديد اتجاه المعارك، خصوصًا عندما تشمل ضباطًا وقادة يمتلكون خبرة ميدانية وشبكات نفوذ داخل مجتمعاتهم.
وفي المحصلة، فإن انضمام 265 مقاتلًا من فصيل متحالف مع الدعم السريع إلى حركة العدل والمساواة والقوات المتحالفة مع الجيش يشكل تطورًا جديدًا في صراع الولاءات داخل السودان. وبينما يسعى الجيش إلى تعزيز صفوفه والاستفادة من الانقسامات داخل خصمه، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه التحولات ستقود إلى تغيير ملموس في ميزان القوى، أم أنها ستضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى حرب باتت تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والقبلية بصورة متزايدة.











