واشنطن – المنشر_الاخباري
فتح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الباب أمام سيناريو شديد الخطورة في المواجهة مع إيران، بعدما رفض استبعاد إمكانية قيام وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بتسليح عناصر داخل إيران بهدف دعم تمرد مسلح ضد الحكومة، في وقت تبحث فيه الإدارة الأمريكية في الوقت نفسه إمكانية إنهاء الحرب.
وجاء موقف ترامب بعد أن سأله صحفي في المكتب البيضاوي عما إذا كان سيأمر وكالة الاستخبارات المركزية بتسليح إيرانيين، ليرد بأن الحديث عن ذلك «لن يكون مناسبًا»، من دون أن ينفي الفكرة أو يستبعدها.
ورغم أن ترامب لم يعلن وجود قرار فعلي بهذا الشأن، فإن رفضه استبعاد السيناريو أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر الأدوات حساسية في تاريخ المواجهة الأمريكية مع طهران.
ترامب يغيّر لهجته.. من «انتفضوا» إلى التدخل من الداخل
وجاءت التصريحات بعد يوم واحد فقط من دعوة ترامب الإيرانيين إلى التحرك ضد حكومتهم، في رسالة أثارت ردود فعل واسعة.
وبينما وصف ترامب لاحقًا دعوته بأنها كانت ذات طابع سياسي، فإن رفضه الإجابة بشكل مباشر عن احتمال تقديم دعم أمريكي مسلح لعناصر داخل إيران أعاد إشعال التكهنات حول خيارات واشنطن المقبلة.
ويكتسب الأمر أهمية أكبر لأن الولايات المتحدة تخوض بالفعل مواجهة عسكرية واقتصادية طويلة مع طهران، بينما لم تتمكن حتى الآن من فرض تسوية نهائية وفق الشروط التي تريدها.
مفارقة صادمة.. واشنطن تبحث إنهاء الحرب وتستعد للتصعيد
المفارقة الأبرز أن تصريحات ترامب جاءت بالتزامن مع تقارير عن مناقشات داخل الإدارة الأمريكية بشأن إعلان انتهاء الحرب.
وبحسب تقارير أمريكية، ناقش ترامب مع مستشاريه إمكانية إعلان انتهاء الحرب، مع اعتقاده بأن استمرار الضغط الاقتصادي قد يدفع إيران في نهاية المطاف إلى تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي.
لكن في الوقت نفسه، تستمر الولايات المتحدة في تعزيز وجودها العسكري في المنطقة.
وتشير تقارير حديثة إلى تمديد انتشار نحو 50 ألف جندي أمريكي في الشرق الأوسط إلى عام 2027، إلى جانب استمرار وجود قطع بحرية ووحدات دفاع جوي وقوات إضافية، بما يمنح ترامب خيارات عسكرية مفتوحة إذا قرر توسيع العمليات.
هل تعود «الخطة السرية» إلى الواجهة؟
تصريحات ترامب أعادت إلى الذاكرة تاريخ التدخل الأمريكي في إيران، وعلى رأسه انقلاب عام 1953 الذي أطاح برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق.
وكانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية، قد شاركت في عملية «أجاكس» التي أطاحت بمصدق بعد تأميمه صناعة النفط الإيرانية.
وتركت تلك العملية أثرًا عميقًا في الذاكرة السياسية الإيرانية، وأصبحت أحد الأسباب التاريخية التي غذّت انعدام الثقة بين طهران وواشنطن.
ولهذا فإن أي حديث أمريكي عن دعم تحركات داخل إيران يحمل، بالنسبة للقيادة الإيرانية، دلالة تتجاوز الحسابات العسكرية الحالية.
طهران تحت الضغط.. لكن النظام لم يسقط
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا عسكرية واقتصادية شديدة.
فالولايات المتحدة كثفت العقوبات والضغوط الاقتصادية، بينما استمرت العمليات العسكرية المتبادلة حول منطقة الخليج ومضيق هرمز.
لكن رغم ذلك، لم تؤدِ الحرب حتى الآن إلى انهيار الحكومة الإيرانية، وهو ما يجعل خيار الضغط من الداخل أكثر حضورًا في النقاشات الأمريكية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن إدارة ترامب تراهن على الجمع بين العقوبات والضغط العسكري لإجبار طهران على تقديم تنازلات، بينما تستمر إيران في رفض الضغوط والتأكيد على قدرتها على مواصلة المواجهة.
الشارع الإيراني.. ساحة المعركة المقبلة؟
إذا انتقلت واشنطن من الضغط الخارجي إلى محاولة دعم مجموعات داخل إيران، فإن طبيعة الحرب قد تتغير بصورة كبيرة.
فبدلًا من اقتصار المواجهة على الضربات الجوية والصاروخية والعقوبات، يمكن أن تتحول إلى صراع داخلي أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا حصلت مجموعات معارضة على تمويل أو أسلحة أو دعم استخباراتي خارجي.
لكن ترامب لم يقل إن مثل هذه العملية بدأت بالفعل، ولم يعلن عن قرار رسمي بتسليح جماعات إيرانية، ولذلك فإن الحديث في هذه المرحلة يتعلق باحتمال سياسي وعسكري لم يُثبت تنفيذه.
حرب هادئة قد تكون أخطر من القصف
المخاوف لا تتعلق فقط باحتمال اندلاع اضطرابات داخل إيران، بل أيضًا بإمكانية أن يؤدي أي دعم أمريكي مباشر لجماعات مسلحة إلى توسيع الحرب وتحويلها إلى صراع متعدد الجبهات.
فالولايات المتحدة وإيران تتبادلان الضربات بالفعل، فيما لا تزال منطقة مضيق هرمز تشكل نقطة اشتعال رئيسية، وترتبط المواجهة هناك بأسواق النفط وحركة التجارة العالمية.
وقد أدت الجولة الأخيرة من التصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة المخاوف بشأن الإمدادات، بينما تواصل القوات الأمريكية عملياتها ضد أهداف إيرانية، وردت طهران بهجمات على مواقع أمريكية وحليفة في المنطقة.
ترامب أمام خيارين متناقضين
ويبدو أن الإدارة الأمريكية تقف أمام مسارين متوازيين: إنهاء الحرب مع الحفاظ على الضغط، أو تصعيد المواجهة بحثًا عن نتيجة أكبر.
ترامب يتحدث عن إمكانية انتهاء الحرب، لكنه في الوقت نفسه لا يغلق الباب أمام خيارات أكثر خطورة، بينما يواصل البنتاغون تعزيز وجوده العسكري في المنطقة.
ويزيد الوضع تعقيدًا أن الحرب بدأت تفرض كلفة سياسية واقتصادية داخل الولايات المتحدة، مع ارتفاع أسعار الوقود وتراجع التأييد الشعبي للمواجهة، وهو ما دفع عددًا من مستشاري ترامب إلى التحذير من تداعيات استمرار التصعيد على الانتخابات النصفية المقبلة.
الرسالة الأخطر من واشنطن
وبينما لم يصدر قرار معلن بتسليح معارضين إيرانيين، فإن مجرد رفض ترامب استبعاد الأمر يكشف أن خيار إشعال جبهة داخلية في إيران لم يعد مجرد سيناريو نظري في الخطاب الأمريكي.
وفي المقابل، تراهن طهران على أن استمرار التماسك الداخلي وقدرتها على الرد العسكري سيمنع واشنطن من تحقيق هدفها عبر الضغط الخارجي أو الداخلي.
وبذلك تدخل الحرب الأمريكية الإيرانية مرحلة أكثر غموضًا؛ فالمواجهة لم تعد تدور فقط حول الصواريخ والطائرات ومضيق هرمز، وإنما حول سؤال أخطر: هل تنتقل واشنطن من ضرب إيران من الخارج إلى محاولة تغيير المعادلة من الداخل؟










