تتجه الشراكة الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان إلى مرحلة أكثر عملية، في وقت تواجه فيه المملكة تصعيداً متزايداً من جماعة الحوثيين في اليمن، التي كثفت هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الأراضي السعودية ومنشآت الطاقة والممرات البحرية.
ويأتي التحرك التركي في إطار اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس/آب 2026، والذي ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجوماً على الدول الأخرى، إلى جانب تعزيز مختلف أوجه التعاون الدفاعي والأمني بينها.
تركيا تعرض تلبية الاحتياجات الدفاعية السعودية
أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن أنقرة مستعدة لمساعدة السعودية في تلبية احتياجاتها العسكرية، في ظل الهجمات الحوثية المستمرة.
وقال فيدان، في تصريحات نقلتها رويترز، إن السعودية تواجه “هجمات خطيرة” على سلامة أراضيها وسيادتها، مضيفاً أن المملكة قد تكون لديها احتياجات عسكرية، خصوصاً في بعض الجوانب التقنية، وأن تركيا مستعدة لتلبيتها.
ولم يحدد فيدان طبيعة المعدات أو الأنظمة التي يمكن أن تقدمها تركيا للسعودية، ما يعني أن الحديث عن صفقة محددة أو نشر منظومات تركية بعينها لا يزال بحاجة إلى إعلان رسمي.
لكن تصريحات الوزير التركي تمثل أوضح مؤشر حتى الآن على استعداد أنقرة لتحويل الالتزامات التي نص عليها اتفاق مكة إلى تعاون دفاعي عملي في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها السعودية.
الدفاع الجوي ومكافحة المسيّرات في صدارة الاحتياجات
وتشير تحليلات عسكرية نقلتها الجزيرة إلى أن التعاون التركي المحتمل يمكن أن يتركز على عدد من المجالات التي تمتلك فيها أنقرة خبرة وقدرات متقدمة، من بينها الدفاع الجوي، ومكافحة الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والرادارات وأنظمة المراقبة والأمن البحري.
وتكتسب هذه المجالات أهمية خاصة بالنسبة للرياض، بعدما أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ جزءاً أساسياً من الهجمات الحوثية الأخيرة.
وتعتمد السعودية بالفعل على منظومات دفاع جوي غربية، بينها باتريوت وTHAAD، لكن كثافة الهجمات وتعدد اتجاهاتها يرفعان الحاجة إلى منظومة دفاعية متعددة الطبقات تشمل وسائل الكشف والتشويش والاعتراض ومواجهة الطائرات المسيّرة.
اتفاق مكة أمام أول اختبار
وقع قادة السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة في أغسطس/آب بهدف تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي بين الدول الثلاث.
وينص الاتفاق على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، كما يهدف إلى تعزيز التعاون في مختلف المجالات الدفاعية.
لكن تفعيل الاتفاق على أرض الواقع يواجه تحديات قانونية ومؤسسية، إذ يرى محللون أن الاتفاق لم يتحول بعد إلى تحالف عسكري مماثل لحلف شمال الأطلسي من حيث آليات اتخاذ القرار وبروتوكولات التدخل العسكري.
وبالتالي، فإن تقديم تركيا مساعدات تقنية أو أنظمة دفاعية للسعودية يمكن أن يمثل أحد أشكال تطبيق الاتفاق دون أن يعني بالضرورة دخول القوات التركية مباشرة في الحرب اليمنية.
الحوثيون يصعدون هجماتهم
يتزامن التحرك التركي مع تصعيد حوثي واسع ضد السعودية.
وبحسب رويترز، كثف الحوثيون منذ يوليو/تموز هجماتهم على المدن السعودية ومنشآت الطاقة والملاحة، بعد إعلانهم حصاراً بحرياً على المملكة. وشملت الهجمات صواريخ وطائرات مسيّرة، ما أثار مخاوف بشأن أمن صادرات الطاقة وحركة السفن في البحر الأحمر.
كما أعلنت جماعة الحوثيين مسؤوليتها عن هجمات استهدفت مواقع في الرياض، في حين قالت السعودية إن دفاعاتها الجوية اعترضت صواريخ وطائرات مسيّرة أطلقت باتجاه أراضيها.
وتزامن التصعيد مع توسع الحوثيين عسكرياً في مناطق على الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك مناطق قريبة من باب المندب، وهو ما يزيد المخاوف بشأن أمن واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
أنقرة لا تعلن عن تدخل قتالي مباشر
ورغم استعداد تركيا لتقديم الدعم للسعودية، فإن الموقف المعلن حتى الآن لا يتضمن إعلاناً عن إرسال قوات تركية للمشاركة في العمليات العسكرية داخل اليمن.
وقال محللون تحدثوا إلى الجزيرة إن أنقرة يمكن أن تقدم دعماً دفاعياً وتقنياً واستخباراتياً، لكن هناك عوامل تحد من احتمال تحول تركيا إلى طرف قتالي مباشر في الصراع.
ويعكس ذلك رغبة في تفعيل اتفاق مكة من خلال تعزيز قدرات السعودية الدفاعية، مع تجنب توسيع نطاق الحرب إقليمياً.
باكستان أيضاً تحت الاختبار
ولا يقتصر اختبار الاتفاق على تركيا. فباكستان أكدت التزامها بالدفاع عن السعودية، لكنها لم تعلن حتى الآن عن بدء عملية عسكرية بموجب الاتفاق.
وتقول إسلام آباد إن موقفها يقوم على الالتزام بالاتفاق، فيما أكدت تصريحات عسكرية باكستانية استعداد البلاد للتحرك عندما تقتضي الظروف ذلك. وفي المقابل، أفادت وزارة الخارجية الباكستانية بأنه لم تُجرَ مناقشات بشأن إطلاق رد عسكري في أعقاب الهجمات الحوثية الأخيرة.
وهذا يعكس حساسية الموقف بالنسبة للدولتين، خصوصاً مع اتساع الصراع الإقليمي وتداخل المصالح مع إيران واليمن والولايات المتحدة.
تعاون يتجاوز الأسلحة
ولا يقتصر اتفاق مكة على مسألة الدفاع المشترك، بل يتجه أيضاً إلى بناء تعاون طويل الأمد في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والتدريب.
وتسعى السعودية إلى توسيع قدراتها الصناعية العسكرية المحلية، بينما تمتلك تركيا خبرات متنامية في الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والدفاع الجوي والصناعات العسكرية.
ومن شأن التعاون بين الدول الثلاث أن يفتح المجال أمام تدريبات مشتركة وتبادل الخبرات وتطوير أنظمة عسكرية وإنتاجها بصورة مشتركة.
اجتماع نيويورك يعزز الموقف
وفي تطور جديد، أكدت السعودية وتركيا وباكستان ومصر، خلال اجتماع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حق السعودية في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي، مع التشديد على أهمية أمن الملاحة في المنطقة والدفع باتجاه الحلول الدبلوماسية.
وتشير هذه المواقف إلى وجود دعم سياسي متزايد للسعودية، بالتزامن مع تحركها للحصول على دعم دفاعي من شركائها.
مرحلة جديدة لاتفاق مكة
ومع استمرار الهجمات الحوثية، يتحول اتفاق مكة تدريجياً إلى اختبار حقيقي لقدرة السعودية وتركيا وباكستان على تحويل الالتزامات السياسية إلى تعاون دفاعي ملموس.
وتبدو تركيا في مقدمة الدول المستعدة لتقديم دعم تقني ودفاعي للسعودية، بينما لم تُعلن حتى الآن تفاصيل صفقة أو منظومة محددة ستنتقل إلى المملكة.
أما التطور الأهم، فيتمثل في أن الاتفاق لم يعد مجرد إعلان سياسي، بل بدأ يتحول إلى إطار للتنسيق الدفاعي في مواجهة تهديدات فعلية، في وقت تزداد فيه المخاطر على السعودية وعلى حركة الملاحة في البحر الأحمر.
وبينما تؤكد أنقرة استعدادها لمساعدة الرياض، يبقى السؤال الرئيسي مرتبطاً بمدى اتساع هذا الدعم: هل يقتصر على الأنظمة الدفاعية والتكنولوجيا والمعلومات، أم يتطور لاحقاً إلى مشاركة عسكرية مباشرة؟ المعطيات المعلنة حتى الآن تشير إلى أن التركيز التركي ينصب على الدعم الدفاعي والتقني، دون إعلان عن تدخل قتالي مباشر.










