بغداد- المنشر_الاخباري
في لقاء أثار اهتمامًا واسعًا في بغداد، اجتمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في اجتماع لافت بغياب أعضاء الوفد العراقي المرافق لرئيس الحكومة.
وجاء اللقاء في توقيت حساس للغاية بالنسبة للعلاقات العراقية الأميركية، بعد أيام فقط من إعلان بغداد تعديل جدولها الزمني الخاص بحصر السلاح بيد الدولة، وتأجيل الموعد المستهدف من نهاية سبتمبر 2026 إلى 30 يونيو 2027.
ورغم أن مكتب رئيس الوزراء العراقي أعلن أن المحادثات تناولت تعزيز الأمن والاستقرار والتعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري بين البلدين، فإن عدم مشاركة أعضاء الوفد العراقي في الاجتماع فتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الملفات التي ناقشها ترامب والزيدي، وما إذا كان ملف الفصائل المسلحة قد احتل مساحة رئيسية من النقاش.
صورة واحدة.. وأسئلة كثيرة
أظهرت الصورة الرسمية التي نشرها المكتب الإعلامي للحكومة العراقية الزيدي منفردًا من الجانب العراقي، بينما ظهر إلى جانب ترامب عدد من كبار المسؤولين الأميركيين، بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت.
ولم تعلن بغداد سبب غياب أعضاء الوفد العراقي، كما لم يصدر عن واشنطن تفسير رسمي يربط غياب الوفد بملف معين.
ولهذا، تبقى دلالة الغياب محل قراءات سياسية مختلفة؛ فالبعض يربطه بطبيعة اللقاءات الثنائية التي تُعقد على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، بينما يرى آخرون أن اقتصار الاجتماع على الزيدي يعكس رغبة في إجراء نقاش مباشر ومحدود بشأن ملفات شديدة الحساسية.
ولا توجد، حتى الآن، معلومات رسمية تثبت أن واشنطن تعمدت إبعاد الوفد العراقي بسبب مضمون المحادثات.
لماذا جاء اللقاء في هذا التوقيت؟
اللافت أن الاجتماع جاء بعد تحول كبير في الجدول الزمني لملف سلاح الفصائل.
فالحكومة العراقية كانت تستهدف في السابق إنجاز عملية حصر السلاح بيد الدولة بحلول 30 سبتمبر الجاري، لكن الزيدي أعلن خطة جديدة تمتد حتى يونيو 2027.
وبحسب الخطة التي شرحها رئيس الوزراء، تبدأ العملية بمرحلة مدتها 90 يومًا تتوقف خلالها الفصائل عن شن الهجمات، مقابل عدم تعرضها لضربات أميركية، ثم تبدأ عملية تسليم الأسلحة بصورة تدريجية، على أن يكتمل المسار بحلول 30 يونيو 2027.
لكن الإعلان عن الموعد الجديد لم ينهِ الجدل، بل نقل القضية إلى مرحلة أكثر حساسية: هل تستطيع بغداد تنفيذ الجدول الجديد فعليًا؟
واشنطن تريد نهاية لملف السلاح
قبل لقاء ترامب والزيدي، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ناقش مع رئيس الوزراء العراقي قضية الفصائل المسلحة.
وقال بيان لوزارة الخارجية الأميركية إن الجانبين بحثا أهمية تفكيك الفصائل المسلحة ومنع شن هجمات من الأراضي العراقية، إلى جانب تعزيز سيادة الدولة العراقية.
كما نقلت تقارير عن المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق توم باراك وجود تفاهم على أن تكون الدولة العراقية، بحلول نهاية يونيو 2027، الجهة الوحيدة التي تمتلك القوة العسكرية.
وبذلك أصبح الموعد الجديد جزءًا من النقاش الأميركي العراقي، وليس مجرد جدول زمني داخلي أعلنته بغداد.
الفصائل أمام اختبار يونيو
في المقابل، لا تبدو الطريق نحو الموعد الجديد خالية من العقبات.
فبعض الفصائل العراقية أعلنت استعدادها لوضع السلاح تحت سلطة الدولة، بينما ترفض فصائل أخرى التخلي عن أسلحتها قبل انسحاب القوات الأجنبية من العراق.
وتشير تقارير عراقية إلى أن قوى داخل الإطار التنسيقي ناقشت مع الحكومة جدولًا زمنيًا أطول، وأن تحديد موعد نهائي قد يزيد صعوبة المفاوضات مع قادة الفصائل، لكنه في الوقت نفسه قد يدفع اللجنة المعنية إلى تكثيف جهودها للوصول إلى صيغة بشأن تسليم الأسلحة وإدارتها.
وهنا تكمن العقدة الرئيسية أمام حكومة الزيدي: تنفيذ مطالب واشنطن من دون فتح مواجهة داخلية مع القوى التي تمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا.
هل كان غياب الوفد رسالة أميركية؟
غياب الوفد العراقي عن اللقاء هو أكثر تفاصيل الاجتماع إثارة للتساؤلات.
ففي الوقت الذي حضر فيه عدد من كبار المسؤولين الأميركيين، ظهر الزيدي منفردًا من الجانب العراقي، الأمر الذي دفع محللين عراقيين إلى طرح تساؤلات حول ما إذا كان اللقاء قد صُمم ليكون مباشرًا ومحدودًا.
لكن غياب الوفد لا يقدم وحده دليلًا على وجود خلاف بين بغداد وواشنطن، ولا يثبت أن ملف السلاح كان الموضوع الوحيد على الطاولة.
المؤكد أن الاجتماع جاء في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة ملفات: سلاح الفصائل، مستقبل الوجود العسكري الأميركي، وإعادة رسم العلاقة السياسية والاقتصادية بين بغداد وواشنطن.
موعد 2027.. بداية الحل أم تأجيل للأزمة؟
بالنسبة لحكومة الزيدي، يمثل يونيو 2027 موعدًا جديدًا لتحويل التعهد بحصر السلاح إلى خطوات عملية.
أما بالنسبة لواشنطن، فإن تصريحات مسؤوليها تشير إلى أن الهدف النهائي هو أن تصبح الدولة العراقية الجهة الوحيدة صاحبة القرار العسكري.
وفي الداخل العراقي، ستبقى المسألة مرتبطة بموقف الفصائل وقدرتها على التوافق مع الحكومة بشأن آلية تسليم السلاح، فضلًا عن العلاقة بين الملف الأمني وانسحاب القوات الأجنبية.
ولهذا، فإن السؤال الذي خرج من لقاء نيويورك لا يتعلق فقط بسبب غياب الوفد العراقي، وإنما بما إذا كان يونيو 2027 سيكون موعدًا نهائيًا فعليًا لملف السلاح أم محطة جديدة في مفاوضات طويلة بين بغداد وواشنطن والفصائل.
وفي انتظار التفاصيل الرسمية، تبقى صورة الزيدي منفردًا أمام ترامب هي أكثر ما أثار الانتباه في اللقاء، بينما يحمل الموعد الجديد لحصر السلاح اختبارًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا للحكومة العراقية خلال الأشهر المقبلة.









