لندن – المنشر_الاخباري
لم تكن قصة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين مجرد عملية اختراق استخباراتي عابرة، بل واحدة من أكثر قصص التجسس إثارة للجدل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. فقد تمكن كوهين، على مدى نحو ثلاث سنوات، من العيش في دمشق بهوية سورية مزيفة، وبناء علاقات مع شخصيات سياسية وعسكرية بارزة، وإرسال معلومات إلى إسرائيل عبر جهاز لاسلكي سري.
لكن العملية التي نجح خلالها في خداع كثيرين انتهت في فبراير/شباط 1965، عندما تمكنت أجهزة الأمن السورية من تعقب إشارات لاسلكية غامضة قادتها إلى شقته في دمشق. وبعد العثور على أجهزة الإرسال، انهارت هوية الرجل الذي عاش باسم كامل أمين ثابت، وانتهت قصته بالإعدام شنقًا في ساحة المرجة في دمشق في 18 مايو/أيار 1965.
من إلياهو كوهين إلى كامل أمين ثابت
ولد إلياهو بن شاؤول كوهين في الإسكندرية بمصر عام 1924، لعائلة يهودية تعود أصولها إلى مدينة حلب السورية. نشأ في بيئة متعددة اللغات، وتعلم العربية والفرنسية والإنجليزية والعبرية، وانخرط في النشاط الصهيوني منذ شبابه.
بعد انتقال أسرته إلى إسرائيل، خضع كوهين لتدريب استخباراتي شمل التصوير والتشفير واستخدام أجهزة الإرسال اللاسلكي وشيفرة مورس. وفي إطار إعداد هويته الجديدة، جرى تحويله إلى شخصية رجل أعمال سوري مهاجر يُدعى كامل أمين ثابت، قيل إنه عاش سنوات في الأرجنتين قبل العودة إلى وطنه الأصلي سوريا.
وفي عام 1961، ذهب كوهين إلى الأرجنتين، حيث بدأ بناء شخصيته الجديدة وسط الجالية السورية والعربية هناك. كان الهدف أن يظهر كرجل أعمال سوري ثري ومحب لبلاده، لديه علاقات واسعة ومصالح تجارية.
ساعدته هذه الهوية على بناء شبكة من العلاقات، قبل أن ينتقل إلى دمشق في أوائل عام 1962.
دمشق.. بداية الاختراق
وصل كوهين إلى سوريا وهو يحمل شخصية «كامل أمين ثابت»، رجل الأعمال العائد من الاغتراب. وسرعان ما بدأ في إقامة علاقات اجتماعية مع مسؤولين وشخصيات سياسية وعسكرية.
كان يعتمد بصورة كبيرة على المجالس واللقاءات الاجتماعية والحفلات والعلاقات الشخصية لجمع المعلومات. وبفضل شخصيته الاجتماعية وقدرته على كسب الثقة، أصبح قريبًا من دوائر مؤثرة في دمشق.
وبحسب مصادر إسرائيلية، تمكن من الوصول إلى معلومات عسكرية حساسة، خصوصًا ما يتعلق بالتحصينات السورية على هضبة الجولان وانتشار القوات السورية. وتقول مصادر إسرائيلية إن المعلومات التي نقلها كانت ذات قيمة استخباراتية كبيرة، فيما تشير دراسات أخرى إلى أن بعض الروايات اللاحقة بالغت في حجم نفوذه داخل مؤسسات الدولة السورية.
ولهذا السبب، بقيت قصة كوهين محل خلاف بين رواية إسرائيلية ركزت على نجاحه الاستثنائي، وروايات أخرى حاولت تفكيك بعض الأساطير التي نشأت حوله بعد إعدامه.
الإشارة التي فضحت الجاسوس
كان الجزء الأخطر في مهمة كوهين هو اتصالاته السرية مع مشغليه في إسرائيل.
فقد استخدم جهاز إرسال لاسلكيًا لبث رسائل مشفرة، غالبًا باستخدام شيفرة مورس. وكانت الإشارات القصيرة والمتكررة التي تصدر من داخل دمشق مصدر قلق لأجهزة الأمن السورية.
ووفق شهادة حديثة لضابط سوري متقاعد يدعى سعيد جويش، كان يعمل ضمن «سرية الإشارة 134»، استمرت عملية تعقب الإشارة فترة طويلة قبل أن يتمكن فريقه من تحديد مصدرها.
وقال جويش، في مقابلة نشرتها مجلة «المجلة» في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2026، إن الفريق استخدم أجهزة متخصصة لتعقب الإشارة، إلى أن ضيق نطاق البحث قادهم إلى شقة في دمشق.
وفي صباح العملية، انتظر الفريق موعد الإرسال المتوقع. وعندما بدأت الإشارة، قطع جويش التيار الكهربائي عن الشقة عدة مرات من الخارج.
وبحسب روايته، ظهرت انقطاعات الكهرباء في التسجيل الخاص بالإشارة، وهو ما أكد للفريق أن جهاز الإرسال موجود داخل الشقة نفسها.
كان القرار التالي هو اقتحام المكان قبل أن يدرك صاحب الإرسال ما يحدث ويتمكن من الهرب.
جهاز مخبأ في غرفة
دخل رجال الأمن الشقة وبدأوا التفتيش.
في البداية لم يعثروا على الجهاز بسهولة. لكن جويش قال إنه لاحظ جسمًا داكنًا مخبأ داخل صندوق خشبي أعلى نافذة.
وعثر الفريق داخل علبة أفلام من نوع «كوداك» على مفتاح مورس وجهاز لاسلكي صغير.
وبحسب رواية الضابط السوري، قال كوهين إن الجهاز المكتشف كان جهازًا احتياطيًا، قبل أن يعثر المحققون على جهاز الإرسال الرئيسي مخبأ داخل حقيبة وثائق مغطاة بالجلد الأخضر كانت موجودة فوق طاولة.
كما عثروا، وفق الرواية نفسها، على بلورات تردد، وتردد للطوارئ، ودفتر يتضمن معلومات مرتبطة بالشفرة، إضافة إلى مواد أخرى أثارت اشتباه المحققين.
كان العثور على الجهاز نقطة التحول الحاسمة. فقد لم تعد القضية مجرد شكوك حول رجل يعيش في دمشق باسم مستعار، بل أصبح لدى الأمن السوري دليل مادي على وجود شبكة اتصالات سرية.
«أنا كامل أمين ثابت.. وأنا مسلم»
بعد اعتقاله، تمسك كوهين في البداية بهويته المزيفة.
قال إنه كامل أمين ثابت، وإنه سوري عربي يعمل في التجارة، وإنه مسلم.
لكن التحقيق لم يتوقف عند العثور على جهاز الإرسال.
وهنا تظهر واحدة من أشهر الروايات المرتبطة بالقبض عليه.
وفق شهادة سعيد جويش، نُقل كوهين بعد اعتقاله إلى مقر فرع إسرائيل في منطقة أبو رمانة، حيث كان الرئيس السوري آنذاك أمين الحافظ موجودًا.
وبحسب جويش، سأله الحافظ عن اسمه وهويته، فأجاب بأنه كامل أمين ثابت، وأنه سوري عربي ومسلم.
عندها طلب منه الحافظ تلاوة سورة الفاتحة.
تقول شهادة جويش إن كوهين أخطأ في تلاوتها، الأمر الذي أثار شك الحافظ، الذي قال — وفق الرواية — ما معناه: «هل يوجد مسلم في عمرك لا يعرف تلاوة الفاتحة؟»، ثم خلص إلى أنه يهودي وأمر بإدخاله إلى الغرفة.
هذه التفاصيل أصبحت من أكثر المشاهد شهرة في قصة كوهين، لكن من المهم الإشارة إلى أن مصدرها الأساسي هنا هو شهادة الضابط السوري بعد أكثر من ستة عقود على الأحداث، وليست محضرًا أرشيفيًا مستقلًا منشورًا. لذلك تُنسب الرواية إلى شاهدها ولا ينبغي تقديمها باعتبارها حقيقة موثقة من عدة مصادر مستقلة.
سقوط «كامل أمين ثابت»
بعد اكتشاف جهاز الإرسال، أصبح من الصعب استمرار قصة كوهين عن هويته السورية.
وتشير روايات أخرى إلى أن السلطات السورية كانت قد راقبته قبل القبض عليه، بعدما أثارت أنشطته وعلاقاته الاجتماعية شبهات لدى بعض الأجهزة.
كما أن هناك روايات متباينة حول الطريقة الدقيقة التي قادت إلى كشفه، إلا أن الرواية التي قدمها الضابط سعيد جويش في 2026 تضيف تفاصيل ميدانية جديدة حول عملية تعقب الإشارة، بما في ذلك استخدام انقطاع الكهرباء للتأكد من أن مصدر البث موجود داخل الشقة.
أما الرواية الإسرائيلية فتؤكد أن كوهين أُمسك أثناء نشاطه الاستخباراتي، وأنه كان قد أرسل مئات الرسائل إلى إسرائيل خلال وجوده في سوريا. وتظهر وثائق مرتبطة بمحاكمته وحكم الإعدام ضمن أرشيف وزارة الدفاع الإسرائيلية.
المحاكمة والنهاية في ساحة المرجة
خضع كوهين لمحاكمة عسكرية في دمشق بتهمة التجسس لصالح إسرائيل.
وفي 8 مايو/أيار 1965، صدر بحقه حكم بالإعدام، قبل تنفيذ الحكم شنقًا في ساحة المرجة بدمشق في 18 مايو/أيار من العام نفسه.
ووفق تقارير تاريخية تعود إلى ذلك الوقت، بقي جثمانه معلقًا في الساحة لعدة ساعات، بينما كانت السلطات السورية قد رفضت طلبات للعفو عنه.
وتشير وثائق إسرائيلية محفوظة في أرشيف وزارة الدفاع إلى وجود مواد مرتبطة بمحاكمته وحكم الإعدام والأيام الأخيرة من حياته.
لماذا بقيت قصته حاضرة حتى اليوم؟
بعد إعدامه، تحول كوهين إلى شخصية أسطورية في الرواية الإسرائيلية عن العمل الاستخباراتي، خصوصًا بسبب قدرته على اختراق دوائر سياسية وعسكرية سورية خلال فترة قصيرة نسبيًا.
لكن قيمة المعلومات التي جمعها وحجم تأثيره الحقيقي على القرارات السورية ظلا موضع نقاش.
فبينما تنسب إليه روايات إسرائيلية أهمية كبيرة في جمع معلومات عن القوات السورية والتحصينات في الجولان، تشير دراسات أخرى إلى أن بعض القصص التي ظهرت لاحقًا حول نفوذه السياسي بالغت في تصويره وكأنه كان على وشك الوصول إلى أعلى منصب في الدولة السورية، وهي رواية لا تستند إلى أدلة قوية.
ومع ذلك، لا خلاف على أن كوهين نجح في العيش داخل دمشق سنوات عدة بهوية مزيفة، وأنه تمكن من إقامة علاقات واسعة، وأن نشاطه انتهى عندما تمكنت أجهزة الأمن السورية من تحديد مصدر اتصالاته اللاسلكية.
بعد أكثر من ستة عقود.. لا تزال القضية مفتوحة
لم تنته قصة إيلي كوهين بإعدامه.
فإسرائيل لا تزال تسعى إلى معرفة مكان دفن رفاته ونقلها إلى إسرائيل، بينما بقي مصير جثمانه غير محسوم حتى اليوم.
وفي عام 2025، أعلنت إسرائيل استعادة آلاف المواد المرتبطة بكوهين من أرشيف سوري في عملية سرية، شملت وثائق وصورًا ورسائل وتسجيلات ومقتنيات شخصية ووثائق مرتبطة بأنشطته الاستخباراتية. وقدمت تلك المواد إلى عائلته باعتبارها جزءًا من إرث أحد أشهر عملاء الاستخبارات الإسرائيلية.
وبذلك، وبعد أكثر من ستين عامًا على إعدامه، لا تزال شخصية «كامل أمين ثابت» تعيش في الذاكرة السياسية والاستخباراتية للمنطقة.
لكن المفارقة الأبرز في قصته ربما تكمن في أن الرجل الذي تمكن من بناء هوية مزيفة معقدة، والوصول إلى دوائر النفوذ في دمشق، لم يسقط بسبب كشف اسمه مباشرة، بل بسبب شيء أكثر بساطة: إشارة لاسلكية متكررة كان لا بد أن يكون لها مصدر داخل المدينة.
وعندما تمكنت أجهزة الأمن السورية من تحديد ذلك المصدر، انتهت سنوات التخفي، وتحولت قصة «كامل أمين ثابت» إلى واحدة من أشهر عمليات التجسس في تاريخ الشرق الأوسط.










