الرياض- المنشر_الاخباري
تفتح التطورات الأمنية في المنطقة الباب أمام تساؤلات حول إمكانية تقاطع المصالح بين إسرائيل وتركيا والسعودية في مواجهة التهديدات العسكرية التي تمثلها جماعة الحوثيين في اليمن، وسط تصاعد المخاوف بشأن أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية، وتداخل الحسابات السياسية والعسكرية للقوى الإقليمية.
وتقوم الفرضية على أن التهديدات المشتركة قد تدفع دولًا تجمعها خلافات سياسية واستراتيجية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وربما تنسيق بعض التحركات الأمنية لحماية مصالحها، حتى إن لم تصل إلى تشكيل تحالف عسكري رسمي.
لكن احتمال التقارب في مواجهة الحوثيين لا يعني أن إسرائيل وتركيا والسعودية اتفقت بالفعل على العمل ضمن جبهة واحدة، إذ لا بد من التمييز بين التحليلات السياسية بشأن المصالح المشتركة وبين وجود تنسيق عسكري مثبت أو اتفاق معلن.
الحوثيون يعيدون رسم الحسابات الإقليمية
تحولت جماعة الحوثيين، المعروفة باسم «أنصار الله»، إلى أحد العوامل المؤثرة في الحسابات الأمنية الإقليمية، خصوصًا مع الهجمات التي استهدفت سفنًا في البحر الأحمر وخليج عدن، وما ترتب عليها من مخاوف بشأن حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة.
وتمنح الجغرافيا اليمنية الحوثيين قدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما يجعل أنشطتهم محل اهتمام أطراف إقليمية ودولية متعددة.
بالنسبة إلى السعودية، ترتبط القضية بأمنها الوطني واستقرار اليمن وحماية أراضيها من الهجمات. أما إسرائيل، فتنظر إلى تهديدات الحوثيين من زاوية أمنها، والهجمات التي تستهدفها، وتأثيرها في حركة الملاحة المرتبطة بالبحر الأحمر.
وفي المقابل، تتابع تركيا تطورات المنطقة ضمن حسابات أوسع تتعلق بأمن الملاحة ونفوذها الإقليمي وعلاقاتها مع الأطراف المختلفة.
وتتقاطع هذه المصالح في بعض الجوانب، لكنها لا تعني بالضرورة تطابق أهداف الدول الثلاث أو اتفاقها على الوسائل المناسبة للتعامل مع الحوثيين.
هل يمكن أن تتعاون إسرائيل وتركيا رغم الخلافات؟
تُعد العلاقة بين إسرائيل وتركيا من أكثر العلاقات الإقليمية تعقيدًا، إذ تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والأمنية مع خلافات سياسية حادة، خصوصًا بشأن القضية الفلسطينية والحرب في غزة ومستقبل الترتيبات الإقليمية.
وقد تتيح المخاطر المشتركة، من الناحية النظرية، مساحة لتنسيق محدود في ملفات محددة، مثل أمن الملاحة أو تبادل المعلومات، إذا توافرت الإرادة السياسية والظروف المناسبة.
غير أن الانتقال من تقاطع المصالح إلى تعاون عسكري مباشر يتطلب تفاهمات أكثر عمقًا، فضلًا عن تجاوز عقبات سياسية وثقة متبادلة لا يمكن افتراض وجودها مسبقًا.
كما أن أي تعاون محتمل قد يظل محصورًا في ملف معين، دون أن يؤدي إلى إنهاء الخلافات القائمة بين أنقرة وتل أبيب.
السعودية بين أمنها الوطني وتوازنات المنطقة
تمثل السعودية طرفًا رئيسيًا في أي تطورات تتعلق بأمن اليمن والبحر الأحمر، نظرًا إلى الجوار الجغرافي والتهديدات التي ارتبطت بالصراع اليمني خلال السنوات الماضية.
وتسعى الرياض إلى حماية أمنها واستقرارها، مع مراعاة تداعيات أي تصعيد عسكري على المنطقة وعلى المسارات السياسية الرامية إلى احتواء الأزمة اليمنية.
ومن هذا المنطلق، قد تتقاطع المصالح السعودية مع أطراف أخرى في مواجهة تهديدات محددة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة قبول الرياض بتشكيل تحالف يضم جميع القوى المعنية، أو تبني أهدافها السياسية والعسكرية بالكامل.
وتظل طبيعة أي تحرك سعودي مرتبطة بتقدير المصالح الوطنية، ومخاطر التصعيد، والنتائج المحتملة على أمن المنطقة.
هل يصبح البحر الأحمر نقطة التقاء الخصوم؟
يمثل البحر الأحمر وخليج عدن عنصرًا محوريًا في هذه المعادلة، نظرًا إلى أهميتهما للتجارة الدولية وحركة السفن وإمدادات الطاقة.
وأظهرت الهجمات البحرية خلال السنوات الماضية مدى قدرة التوترات الإقليمية على التأثير في سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الشحن والتأمين، فضلًا عن دفع دول عدة إلى تعزيز الإجراءات الأمنية لحماية الملاحة.
وقد تخلق هذه التحديات فرصًا للتنسيق بين دول تختلف سياسيًا، إذا كان الهدف المحدد هو حماية السفن أو الحد من المخاطر البحرية.
لكن التعاون في حماية الملاحة يختلف عن تشكيل تحالف عسكري يستهدف الحوثيين، كما أن أي ادعاء بوجود تنسيق عملياتي بين إسرائيل وتركيا والسعودية يحتاج إلى أدلة موثوقة أو تصريحات رسمية تؤكده.
ما العقبات أمام تحالف ثلاثي؟
تواجه فكرة التحالف المحتمل مجموعة من العقبات، أبرزها اختلاف الأولويات السياسية والاستراتيجية، والتباين في المواقف من ملفات الشرق الأوسط، فضلًا عن حساسية أي تعاون عسكري معلن بين أطراف تربطها علاقات متوترة.
كما أن التعامل مع الحوثيين لا يقتصر على الخيار العسكري، بل يرتبط بمستقبل الصراع في اليمن، وأمن الحدود، والملاحة البحرية، والجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع اتساع المواجهة.
ومن ثم، فإن أي تقارب محتمل قد يأخذ شكل تنسيق محدود أو إجراءات أمنية منفصلة بدلًا من تحالف عسكري رسمي، إذا وجدت الدول المعنية أن ذلك يخدم مصالحها.
هل تنتهي الخصومة إذا توحدت المصالح؟
توضح التجارب السياسية أن الدول قد تتعاون في مواجهة تهديد مشترك، بينما تستمر خلافاتها في ملفات أخرى. ولذلك، حتى لو حدث تنسيق بين بعض الأطراف بشأن الحوثيين، فلن يعني ذلك بالضرورة نهاية التنافس التركي الإسرائيلي أو اختفاء التباينات بين مصالح القوى الإقليمية.
وقد يكون التعاون، إن حدث، مؤقتًا ومحدد الأهداف، وينتهي أو يتراجع مع تغير الظروف الأمنية والسياسية.
الخلاصة: إن احتمال تقاطع المصالح بين إسرائيل وتركيا والسعودية في مواجهة تهديدات الحوثيين يظل سيناريو قابلًا للنقاش والتحليل، لكنه لا يثبت وجود تحالف ثلاثي قائم. وستتحدد ملامح أي تقارب مستقبلي وفق التطورات الأمنية في البحر الأحمر واليمن، ومواقف الحكومات المعنية، ومدى استعدادها لتحويل المصالح المشتركة إلى خطوات عملية.










