صورة المياه المتدفقة من أعلى سد النهضة: بين الاستعراض والمخاطرة
في محاولة لإضفاء طابع درامي على افتتاح سد النهضة، اختارت إثيوبيا مشهدًا بصريًا مثيرًا تظهر فيه المياه وهي تتدفق من أعلى السد، لكنها بذلك غامرت بأمان السد، وأرسلت رسالة سلبية للخبراء والمتخصصين.
- كيف امتلأ السد حتى حافته القصوى رغم أن الفيضان كان عاديًا؟
وفقًا للتصميم الهندسي المعلن، يحتوي سد النهضة على:
— مفيض غير متحكم فيه (Uncontrolled Spillway)، صُمم ليعمل فقط في حالات الفيضان النادرة التي تحدث مرة كل 100 عام أو أكثر.
— المنسوب الأعلى للمياه الذي يمكن أن يصل إليه السد (642.3 متر) لا يُتوقع حدوثه إلا مرة كل 10,000 سنة.
ورغم أن فيضان هذا العام لم يكن استثنائيًا، شهد السد تدفقًا من هذا المفيض، مما يثير تساؤلات حول ما حدث. - ما الذي فعلته إثيوبيا؟
قامت بإغلاق جميع فتحات السد (التوربينات، بوابات المفيض، والبوابات السفلية) لعدة أسابيع، بينما استمر تدفق مياه النيل الأزرق بمعدلاته الموسمية المعتادة. ونتيجة لذلك، تراكمت المياه في الخزان حتى تجاوزت المنسوب الأقصى (640 متر)، ووصلت إلى مستوى المفيض غير المتحكم فيه، مما أدى إلى تدفق المياه من أعلى السد في مشهد يشبه “هدار مياه” ضخم، لكنه يحمل في طياته مخاطر كبيرة. - مخاطر التخزين الكامل في هذه المرحلة المبكرة
سد النهضة لم يدخل بعد مرحلة التشغيل الكامل:
— التوربينات لم تُستكمل، وما تم تركيبه يعمل جزئيًا فقط.
— البنية الخرسانية لم تُختبر بعد تحت ضغط التخزين الطويل.
— لم يتم التحقق من مقاومة السد لاحتمالات الانقلاب، الانزلاق، أو التشققات، وهي اختبارات لا يمكن التأكد منها إلا بعد سنوات من التشغيل الفعلي.
لذا، فإن ملء الخزان بالكامل دون تشغيل مستمر للتوربينات يُعد تصرفًا عالي الخطورة، إذ أن أي خلل مفاجئ قد يتطلب تفريغًا سريعًا، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للسودان بموجة مائية مدمرة. - ما دلالة عمل المفيض غير المتحكم فيه؟
هذا المفيض صُمم ليُستخدم فقط في حالات الطوارئ النادرة، لذا فإن وصول المياه إليه يُعد فشلًا تشغيليًا واضحًا:
— فنيًا: يعني أن السد تجاوز السعة الآمنة.
— هندسيًا: تدفق المياه من أعلى جسم السد مباشرة يؤدي إلى:
— تآكل جوانب الخرسانة.
— ضغط غير معتاد على البنية الرأسية.
— إضعاف تدريجي لمناطق لم تُصمم لتحمل تدفقات متكررة.
لذلك، يتجنب المصممون تمامًا استخدام هذا النوع من المفيض إلا في حالات نادرة جدًا. - الرسالة التي أرسلتها إثيوبيا
رغم أن المشهد كان مبهرًا إعلاميًا، إلا أنه حمل رسالة واضحة للخبراء:
— التشغيل لم يتم وفقًا لقواعد الملء والتصريف الآمن.
— الاعتبارات السياسية والإعلامية طغت على مبادئ الأمان الفني والهندسي.
الخلاصة
مشهد تدفق المياه من أعلى سد النهضة يوم افتتاحه ليس إنجازًا هندسيًا كما روجت له بعض وسائل الإعلام، بل هو مؤشر على خلل في إدارة التشغيل، أو تعمد لتجاوز قواعد السلامة الهيدرولوجية من أجل استعراض بصري.
وفي ظل أن السد لم يتجاوز بعد عمره التشغيلي الكافي بعد الملء الأول، فإن هذا التصرف يثير مخاوف جدية بشأن سلامة البنية الخرسانية، ومدى التزام الجهات المشغلة بمعايير التشغيل الآمن.










