مدغشقر على شفا الانهيار السياسي بعد تمرد عسكري وفرار الرئيس راجولينا
تشهد مدغشقر تصعيدا غير مسبوق في الأزمة السياسية التي اندلعت منذ 25 سبتمبر/أيلول، حيث اجتاحت البلاد موجة من الاحتجاجات الشعبية الدامية ضد الرئيس أندريه راجولينا، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 22 متظاهرا، وفقا لتقارير الأمم المتحدة. ومع دخول الجيش على خط المواجهة، وانضمام وحدات عسكرية مؤثرة إلى صفوف المحتجين، أصبح مستقبل البلاد السياسي على المحك.
تمرد عسكري وفرار الرئيس
خلال عطلة نهاية الأسبوع، أعلن فيلق الأفراد والخدمات الإدارية والفنية (CAPSAT)، الذي كان له دور حاسم في انقلاب 2009 الذي أوصل راجولينا إلى الحكم، انحيازه للمتظاهرين وسيطرته على القوات المسلحة الوطنية. قاد الضابط ميكائيل راندريانيرينا هذا التحرك، مؤكدا أن ما يجري “ليس انقلابا”، رغم أن راجولينا وجد نفسه معزولا تماما، واضطر لمغادرة البلاد في ظل أوضاع أمنية متدهورة.
ووفقا لما نقلته إذاعة RFI، فقد تم إجلاء الرئيس راجولينا بالتنسيق مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. بدأت عملية الهروب بطائرة هليكوبتر إلى جزيرة سانت ماري، ومن هناك استقل راجولينا طائرة عسكرية فرنسية متجهة إلى جزيرة ريونيون، قبل أن يغادر إلى وجهة لم تحدد بعد، يعتقد أنها دبي، برفقة عائلته. وقد أكدت فرنسا أنها لن تتدخل عسكريا في الأزمة، وأن قواتها في المحيط الهندي لن تتقدم نحو مدغشقر.
انهيار مؤسساتي متسارع
في الساعات الأخيرة، شهدت العاصمة أنتاناناريفو توترا حادا بعد أن تم تأجيل خطاب متلفز للرئيس كان مقررا مساء الإثنين بسبب تهديدات من جنود مسلحين بالسيطرة على مقر الإعلام الرسمي. وأعلن بيان رئاسي أن رئيس الأركان الجديد، الجنرال ديموستيني بيكولاس، يعمل على احتواء الموقف.
بالتزامن، عين الجنرال نونوس مبينا ماميليسون قائدا جديدا لقوات الدرك الوطني، بعد أن أعلن سلفه انضمامه إلى المتظاهرين. كما فر كل من رئيس الوزراء السابق كريستيان نتساي والمستشار الرئاسي البارز مامينيانا رافاتومانجا إلى موريشيوس، بحسب ما أكدته سلطات الجزيرة رسميا.
في سياق متصل، أعلن مجلس الشيوخ إقالة رئيسه الجنرال ريتشارد رافالومانانا، الذي يفترض دستوريا أن يتولى الرئاسة المؤقتة في حال شغور المنصب. وقد عين مكانه جان أندريه ندرمانجاري، في خطوة تهدد بفراغ دستوري، إذ ينص الدستور على أن تتولى الحكومة الرئاسة بشكل جماعي في حال غياب كل من الرئيس ورئيس مجلس الشيوخ.
جذور الأزمة
بدأت الاحتجاجات بقيادة ما يعرف بجيل “Z” الغاضب من تدهور مستوى المعيشة، والانقطاعات المستمرة للمياه والكهرباء التي تصل إلى 12 ساعة يوميا في بعض المناطق. وسرعان ما تحولت الاحتجاجات إلى حراك سياسي واسع يطالب برحيل راجولينا، الذي أعيد انتخابه عام 2023 في انتخابات قاطعتها قوى المعارضة.
رغم محاولات راجولينا لامتصاص الغضب الشعبي من خلال إقالة الحكومة والدعوة إلى حوار وطني، إلا أن هذه الخطوات فشلت في تهدئة الشارع. وتفاقم الغضب الشعبي بسبب مشاريع حكومية اعتبرت “ترفا غير مبرر”، مثل مشروع تلفريك بتكلفة 152 مليون دولار، في ظل انعدام الخدمات الأساسية.
غضب شعبي من حياة الرفاهية
راجولينا، الذي يحمل الجنسية الفرنسية، أصبح رمزا لعدم المساواة والفجوة بين الطبقة الحاكمة والشعب. وانتشرت عبر تيك توك مقاطع تندد بأسلوب حياة أسرته، وخاصة ابنته إيلونا وابنه أرينا، الذين يظهران بانتظام في مظاهر الثراء والبذخ، ما عزز من موجة الغضب والرفض الشعبي.
ردود فعل دولية
عبر الاتحاد الأفريقي عن “قلقه البالغ”، ودعا إلى ضبط النفس والحوار، مشددا على ضرورة احترام الدستور وضمان الحقوق الأساسية. وأعلن رئيس مفوضية الاتحاد، محمود علي يوسف، استعداد المنظمة لدعم عملية انتقال سلمي. كما أعربت وزارة الخارجية الإيطالية عن متابعتها للوضع، مشيرة إلى أن الوزير أنطونيو تاجاني يتلقى تحديثات مستمرة.










