بعد مرور عشر سنوات على الهجمات المنسقة في 13 نوفمبر 2015، التي أسفرت عن مقتل 130 شخصا في باريس وسان دوني، لا يزال التهديد الإرهابي الجهادي قائما في فرنسا، لكنه تغير في طبيعته وأسلوبه بشكل جذري.
فبحسب تقارير أجهزة الأمن الفرنسية، أصبح هذا التهديد أقل تنظيما وأكثر فردية، إذ تراجع خطر “الخلايا القادمة من الخارج” لحساب تطرف محلي ينشأ داخل فرنسا نفسها.
ويرى الخبراء أن الضربات العسكرية ضد تنظيمي “داعش” والقاعدة” في الشرق الأوسط والساحل الإفريقي أدت إلى إضعاف هياكلهما المركزية، ما جعل التهديد اليوم أقرب إلى مبادرات فردية غير متوقعة من قبل أشخاص متطرفين ذاتيا دون ارتباط تنظيمي مباشر.
جيل جديد من المتطرفين: أصغر سنا وأكثر هشاشة
تظهر الأرقام الرسمية أن ما يقرب من 70% من الاعتقالات في قضايا الإرهاب عامي 2024 و2025 شملت أفرادا دون سن الحادية والعشرين. ويؤكد تقرير المديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI) الصادر في سبتمبر 2025 أن “جيلا جديدا من المتطرفين بين سن 13 و17 عاما بدأ يظهر، يتميز باتصال مفرط بالشبكات الاجتماعية، وافتتان بالعنف الشديد، وضعف في الوعي الأيديولوجي”.
ومنذ عام 2023، وجهت اتهامات إلى ما بين 15 و18 قاصرا سنويا في قضايا إرهابية، وهو رقم يفوق بأضعاف ما كان عليه في السنوات السابقة، حين كانت هذه الحالات نادرة للغاية.
تطرف فردي سريع وغير مرصود
تشير السلطات إلى أن ثلثي منفذي الهجمات منذ عام 2020 لم يكونوا معروفين للأجهزة الأمنية، أي لم يدرجوا في قوائم المراقبة (S أو FSPRT)، مما يعكس صعوبة التنبؤ بخطرهم. ويصف خبراء الأمن هذا النمط الجديد بأنه “تطرف خاطف”، يتم في فترات زمنية قصيرة جدا، وغالبا ما يحدث في عزلة تامة عبر الإنترنت.
تقول المديرية العامة للأمن الداخلي إن هذه الفئة “تتطرف عبر تطبيقات مثل تيك توك وتيليغرام، تستهلك محتوى عنيفا ومشحونا، وغالبا ما تعاني من هشاشة نفسية أو اجتماعية”.
الحرب في غزة كمحفز جديد
منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وبداية الحرب بين إسرائيل وحماس، لوحظ ارتباط متزايد بين التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتصاعد محاولات الهجوم داخل فرنسا.
وتشير صحيفة لوموند إلى أن أكثر من نصف الهجمات التي نفذت أو أحبطت منذ ذلك التاريخ كانت مرتبطة بالصراع في غزة أو تبرره.
العامان الأخيران: تصاعد التهديد رغم إحباط المؤامرات
عام 2024 شهد إحباط تسع هجمات — وهو أعلى رقم منذ عام 2017 — إلى جانب زيادة بنسبة 55% في الملاحقات القضائية ضد الجهاديين.
وفي عام 2025، تم إحباط ست مؤامرات جديدة، بعضها تورطت فيه نساء وقاصرات، من بينهن ثلاث شابات أوقفن في نوفمبر بتهمة “التآمر لارتكاب عمل إرهابي”.
وفي ظل هذا السياق، رفعت فرنسا مستوى التأهب إلى “هجوم طارئ” منذ مارس 2024، مع تعزيز الإجراءات الأمنية تحسبا لإحياء ذكرى 13 نوفمبر.
تصريحات رسمية وتحذيرات أمنية
وقال أوليفييه كريستين، المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، في تصريح حديث “لا يزال التهديد الجهادي هو الأخطر من حيث العدد والاستعداد العملياتي، وهو يتزايد منذ ثلاث سنوات”.
أما وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز فقد صرح في 9 نوفمبر 2025 بأن “التهديد لا يزال شديدا للغاية”، داعيا المواطنين والأجهزة الأمنية إلى زيادة اليقظة خلال فترة الذكرى.
تهديد متحول يصعب التنبؤ به
بعد عقد من أكثر الهجمات دموية في تاريخ فرنسا الحديث، أصبح المشهد الإرهابي مختلفا جذريا:
تهديد أكثر انتشارا وتفككا، لا تصنعه خلايا منظمة بل أفراد متطرفون محليون.
جيل جديد أصغر سنا وأكثر هشاشة نفسيا، يتغذى على الدعاية العنيفة عبر الإنترنت.
تأثير مباشر للنزاعات الدولية، خصوصا في غزة وسوريا، على موجات التطرف داخل فرنسا.
ورغم نجاح أجهزة الاستخبارات في إحباط عدد متزايد من المؤامرات، إلا أن الطابع الفردي وغير المرصود للتهديد يجعل مكافحته أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.










