تبدو إثيوبيا، الدولة التي كانت تعرف بـ”قلعة الوحدة الإفريقية”، على أعتاب مرحلة حرجة من تاريخها السياسي والاجتماعي. بعد مرور أكثر من عقد على تحذير رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي عام 2011 بأن التناقضات العرقية والقيادة الضعيفة قد تفتح الباب أمام صراعات داخلية، بدأت هذه التحذيرات تتجسد على الأرض، مع تصاعد التوترات الإقليمية والداخلية في البلاد.
من الوحدة إلى التفكك
منذ تولي آبي أحمد السلطة عام 2018، حمل مشروعه السياسي شعار “النهضة والمصالحة”، إلا أن التوازنات القديمة بين القوميات انهارت مع صعود حزب الازدهار. وتشهد البلاد اليوم سلسلة أزمات ملامح تفكك داخلي تتسارع من خلال تمردات متعددة، أزمة اقتصادية خانقة وتوترات سياسية مستمرة، ما يعيد إلى الواجهة جدل الفيدرالية العرقية وحدود قدرتها على منع الانفصال لا ترسيخه.
في المقابل، يبدو الصومال في موقع متقدم على الصعيد الإقليمي، حيث يعزز جيشه قدراته عبر برامج تدريبية وتحالفات أمنية مع مصر وإريتريا ودعم من جيبوتي ضمن ترتيبات الاتحاد الإفريقي، ما يهيئه لملء أي فراغ استراتيجي محتمل دون الحاجة إلى تدخل مباشر في إثيوبيا.
نبوءة زيناوي والفيدرالية العرقية
أسس زيناوي حقبة فيدرالية عرقية تمنح حق تقرير المصير حتى الانفصال وفق المادة 39 من الدستور، وهو ما خلق توازنا هشا بين الهويات الإقليمية والسيادة المركزية. يرى منتقدون أن هذا النظام يحفز “نخبا مستعدة للانفصال” ويحول الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية عند اهتزاز المركز، وهو ما ينعكس اليوم في خرائط العنف والتوتر.
وبرغم أن زيناوي قدم الفيدرالية العرقية كأداة لردم إرث الهيمنة التاريخية، فإن التجربة أظهرت تناقضا بين تمكين الهويات المحلية وتعزيز الدولة الوطنية عند وقوع الأزمات.
أمهرة وتمرد فانو
أصبحت منطقة أمهرة مسرحا لمواجهة بين حركة فانو والجيش الإثيوبي، مع إعلان الجيش قتل أكثر من 300 مقاتل في يومين خلال هذا العام، في مؤشر على حرب استنزاف بلا حسم واضح. التقارير الحقوقية والدبلوماسية وثقت اعتقالات واسعة وضربات بطائرات مسيرة وسقوط مدنيين، بينما تشير تقديرات حكومية بريطانية إلى آلاف القتلى منذ 2023، ما يعكس عمق التصدعات الأمنية.
أوروميا وانتفاضات مستمرة
لم تنجح جولات التفاوض مع جيش تحرير أورومو في إخماد التمرد، إذ تستمر عملياته وتتسع رقعته خلال 2025، مع هجمات دامية وتقدمات موضعية على حساب هيبة الدولة. ويظهر نمط من الهجمات الانتقامية وعمليات الخطف والقتل التي تستهدف المدنيين والمسؤولين المحليين، مما يزيد الأزمة تعقيدا ويضعف الثقة بين المجتمع والأجهزة الأمنية.
تيغراي.. سلام متعثر
رغم توقيع اتفاق بريتوريا لإنهاء حرب الشمال عام 2022، إلا أن الانقسامات داخل جبهة تيغراي ووقوع اشتباكات موضعية في 2025 أعادت التحذيرات من انهيار الاتفاق وعودة العنف، مع احتمال توسع الصراع ليشمل إريتريا، ما يرفع مخاطر صراع إقليمي متجدد. ويعوق تنفيذ الاتفاق مشاكل الانسحاب وإعادة النازحين وقيود وصول المساعدات الإنسانية.
اقتصاد تحت الضغط
رغم توقعات بنمو اقتصادي سريع، تواجه إثيوبيا تضخما مزدوج الرقم ونقصا في النقد الأجنبي، إضافة إلى تراكم المديونية بعد تعثر سداد سندات عام 2023. ويشير ذلك إلى محدودية قدرة الدولة على الإنفاق الاجتماعي والأمني في وقت تتعدد فيه جبهات التوتر، ما يهدد بتآكل العقد الاجتماعي ويزيد من الضغوط على المركز.
جيش مرهق وسيطرة مركزية قسرية
تظهر التقارير الحقوقية والدبلوماسية ميل الدولة إلى حلول عسكرية، مثل الضربات بالطائرات المسيرة والاعتقالات الجماعية في أمهرة وأوروميا، وسط اتهامات بانتهاكات جسيمة. وعلى الرغم من بيانات “الحسم”، تظل التمردات متعددة الجبهات، ما يعكس إنهاك المؤسسة العسكرية وتآكل الردع، ويغذي سردية “السلطة بالسلاح” بدل الشرعية التوافقية.
الصومال يعود كلاعب إقليمي
على الجانب الآخر، يواصل الصومال بناء جيشه عبر برامج تدريب ثنائي ومتعدد الأطراف، مع تقديرات أممية وأوروبية بحجم فعلي بين 22 و32 ألف عنصر وآلاف في طور التكوين. أتم الاتحاد الأوروبي دورات تدريب للقوات الخاصة، فيما واصلت تركيا والولايات المتحدة برامج موازية، ما يعزز جاهزية وحدات نوعية مثل داناب، ويضع مقديشو في موقع فاعل إقليمي.
تحالفات القاهرة وأسمرة وجيبوتي
وقع الصومال ومصر اتفاق دفاع شامل وتلته مساعدات عسكرية، ما عدل توازنات القرن الإفريقي في ظل توتر مقديشو–أديس أبابا. وعززت قمة ثلاثية مصرية–إريترية–صومالية التنسيق لدعم الجيش الصومالي وحماية الحدود، فيما ساهمت جيبوتي في توفير غطاء قانوني وانتشار أمني ضمن ترتيبات AUSSOM، ما يعكس تحركا إقليميا مضادا لعزلة إثيوبيا المتزايدة.
فراغ أوغادين وحدود المجهول
لا تشير الأمور إلى سيطرة صومالية رسمية على إقليم الصومالي الإثيوبي (أوغادين)، لكن أي انكشاف أمني إثيوبي يزيد هشاشة المناطق الحدودية ويضعف قدرة المركز على فرض المعادلات. وتشير تقارير إلى موجات عنف ونزوح بمحاذاة حدود أوروميا–الصومالي الإثيوبي خلال 2025، ما يعكس هشاشة ترتيبات الفيدرالية وتأثرها بأي ارتجاج مركزي.
لماذا يتجسد التحذير الآن؟
يتقاطع تفكك الشرعية التوافقية مع الفيدرالية العرقية التي تمنح حق الانفصال قانونيا، ما يجعل كل أزمة اختبارا لوحدة الدولة. وتستمر التمردات، وتتعثر الحوافز الاقتصادية، وتتصلب المقاربات الأمنية، ما يقلل قدرة المركز على الوساطة والضبط، ويزيد من نفوذ الفاعلين الإقليميين المتربصين بالفراغ.
السيناريوهات المقبلة
احتواء تصعيد تيغراي عبر مسار تنفيذي لاتفاق بريتوريا مع انسحابات تدريجية وتخفيف القيود الإنسانية.
تفاوض مرحلي مع فانو وOLA على وقف إطلاق نار محلي وممرات إنسانية وتبادل موقوفين.
تعزيز دور AUSSOM وتقاسم أعباء الأمن مع مساهمات مصر وجيبوتي، ما يزيد نفوذ مقديشو دون مواجهات حدودية مباشرة.
تتحقق جوهر “نبوءة” هشاشة الفيدرالية العرقية حين تلتهم السياسة الهويات ويغدو السلاح لغة الحكم. والفراغ الإقليمي قابل للملء بأدوات غير تقليدية من قبل الجوار الإقليمي، كما يتشكل بالفعل حول الصومال اليوم. وإذا لم تفتح مسارات سياسية وحقوقية واقتصادية موازية للقوة، ستتعاظم حوافز الانقسام وستتعمق ملامح التفكك.











