العراق يستقبل عام 2026 وسط تأخر صرف رواتب ملايين الموظفين، شلل سياسي مستمر، وعودة الجدل حول تحويل البصرة إلى إقليم فدرالي، في ظل مخاوف من تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
العراق يستقبل عام 2026 وسط تأخر صرف رواتب ملايين الموظفين، شلل سياسي مستمر، وعودة الجدل حول تحويل البصرة إلى إقليم فيدرالي ، في ظل مخاوف من تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
يدخل العراق عام 2026 مثقلاً بحزمة أزمات متداخلة تعكس هشاشة البنية السياسية والاقتصادية للدولة، في مشهد بات مألوفاً للعراقيين: أزمات تُدار ولا تُحل، وتتكرر بصيغ مختلفة من عام إلى آخر، فيما يتسع هامش السخط الاجتماعي داخل مجتمع يعتمد في معيشته على الدولة بصورة شبه كاملة.
أخطر مؤشرات هذا المشهد تمثلت في تأخر صرف رواتب نحو ثمانية ملايين من الموظفين الحكوميين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية عن شهر ديسمبر 2025، في سابقة غير معهودة بدولة يقوم اقتصادها عملياً على الإنفاق العام. ورغم تطمينات وزارة المالية المتكررة بأن الموارد المالية متوفرة وأن الأزمة ليست أزمة سيولة، فإن هذه التصريحات لم تنجح في تبديد القلق الشعبي، بل عمّقت الشكوك حول كفاءة الإدارة المالية وقدرتها على الالتزام بأبسط تعهداتها
رواتب بلا موعد… ودولة بلا قرار
أزمة الرواتب لا يمكن فصلها عن حالة الشلل السياسي المستمرة. فالقوى السياسية فشلت حتى اللحظة في حسم ملف الرئاسات الثلاث: رئاسة البرلمان، ورئاسة الجمهورية، وتكليف رئيس حكومة بصلاحيات كاملة. والنتيجة دولة تُدار بعقلية “تصريف الأعمال”، غير قادرة على اتخاذ قرارات اقتصادية حساسة أو ضبط الإنفاق العام أو حتى ضمان انتظام الرواتب.
محللون محليون يرون أن غياب حكومة مكتملة الصلاحيات لا يعطّل فقط الإصلاحات الكبرى، بل يشلّ الإدارة اليومية للدولة، ويجعل أي التزام مالي رهينة للتجاذبات السياسية، وهو ما يضع المواطن في مواجهة مباشرة مع كلفة هذا الانسداد
تأخر الرواتب يضغط على ملايين العراقيين
مع نهاية عام 2025، لم يحصل نحو ثمانية ملايين من موظفي الدولة والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية على رواتبهم عن شهر ديسمبر، في سابقة غير مألوفة في بلد يعتمد اقتصاده بشكل شبه كامل على الإنفاق الحكومي. ويُعد القطاع العام المصدر الرئيسي للدخل لملايين الأسر، ما جعل تأخر الرواتب أزمة معيشية مباشرة تهدد الاستقرار الاجتماعي.
ورغم تأكيدات وزارة المالية العراقية المتكررة بأن الأموال متوفرة وأن البلاد لا تواجه أزمة سيولة، فإن غياب جدول زمني واضح لصرف الرواتب فاقم المخاوف، وطرح تساؤلات حول كفاءة الإدارة المالية وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية.
البصرة تعود إلى الواجهة… والفيدرالية كقنبلة مؤجلة
في موازاة ذلك، عاد الجدل حول تحويل محافظة البصرة إلى إقليم فيدرالي إلى الواجهة مع نهاية 2025، بعد إعلان مجلس المحافظة نيته تفعيل الإجراءات الدستورية التي تسمح بإنشاء الأقاليم. ورغم أن الدستور العراقي يتيح هذا الخيار، إلا أن التجربة بقيت عملياً محصورة في إقليم كردستان.
وتكتسب قضية البصرة حساسية خاصة نظرًا لأهميتها الاقتصادية، إذ تنتج المحافظة الجنوبية أكثر من 80 في المئة من نفط العراق، ما يجعل أي حديث عن توسيع صلاحياتها الإدارية أو المالية مصدر قلق بالغ للحكومة المركزية. وتخشى بغداد من أن يؤدي فتح هذا الملف إلى نزاع جديد حول عائدات النفط، في وقت لا تزال فيه الخلافات قائمة مع إقليم كردستان، خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار السياسي الراهنة
مخاوف من صراعات أوسع على الموارد
يحذر مراقبون من أن توسيع نموذج الأقاليم ليشمل محافظات ذات أهمية استراتيجية قد يفتح الباب أمام نزاعات داخلية لا تقتصر على النفط والغاز، بل تمتد إلى إدارة المياه والموارد الطبيعية، في بلد يعاني بالفعل من شح مائي متزايد نتيجة التغير المناخي وتراجع الإمدادات المائية.
إعادة إنتاج الأزمات
الخلاصة التي يجمع عليها كثير من المحللين أن العراق لا يعيش أزمات طارئة، بل حالة إعادة إنتاج ممنهجة للأزمات: رواتب تتأخر، حكومات تتعثر، ملفات سيادية تُفتح دون رؤية وطنية جامعة، وإصلاحات تُؤجَّل إلى أجل غير مسمى. وفي ظل غياب حلول هيكلية حقيقية، تتراكم الأعباء على مجتمع محدود الخيارات، يعتمد على الدولة كمصدر دخل شبه وحيد، بينما تفشل الدولة في الوفاء بدورها الأساسي ، مما يؤدي إلى تصاعد السخط الشعبي وتآكل الثقة بين المواطن والدولة.
هكذا يبدأ العراق عام 2026: دولة غنية بالموارد، فقيرة بالإدارة، ومعلّقة بين صراعات السياسة ومطالب الشارع، دون أفق واضح لكسر هذه الحلقة المغلقة
وبين اقتصاد يعتمد على الدولة، ونظام سياسي عاجز عن الحسم، تبقى قدرة العراق على تجاوز هذه المرحلة مرهونة بإرادة سياسية قادرة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى حلّها، قبل أن تتحول الأزمات المعيشية والسياسية إلى تهديد مباشر للاستقرار العام.











