مقديشو، المنشر الاخباري- 23 فبراير 2026، في تطور دبلوماسي وعسكري هام، عرضت الحكومة الصومالية الفيدرالية تجديد اتفاقية طويلة الأمد تمنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى موانئها ومطاراتها لأغراض عسكرية، مؤكدة بذلك مكانتها كشريك شرعي وحيد في هذا التعاون الاستراتيجي.
يأتي هذا المقترح في ظل عرض منافس قدمه إقليم أرض الصومال الانفصالي، الذي أعلن استقلاله من جانب واحد عام 1991، وهو يعيد إحياء إطار عمل يعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي. وتكثف الصومال، الواقعة في القرن الأفريقي بموقعها الاستراتيجي عند مدخل البحر الأحمر وقرب منطقة النزاع في اليمن، تعاونها الأمني مع القوى الإقليمية والدولية لتعزيز سيادتها وسط تحديات أمنية معقدة.خلفية الاتفاقية المقترحة
خلفية الاتفاقية المقترحة
يعود تاريخ التعاون العسكري بين الصومال والولايات المتحدة إلى عقد الثمانينيات، حيث وقعت حكومة سياد بري خلال الحرب الباردة اتفاقيات مع واشنطن تسمح باستخدام قواعد عسكرية في بربرة وموانئ أخرى مقابل دعم أمني واقتصادي.
انهار هذا الإطار بعد سقوط النظام عام 1991، لكن السنوات الأخيرة شهدت إعادة إحياء الاهتمام الأمريكي بالمنطقة بسبب تهديدات القرصنة، تنظيم الشباب، وأهمية مضيق باب المندب.
الاتفاقية الجديدة، التي لم يتم الكشف عن تفاصيلها الكاملة بعد، تشمل منح الولايات المتحدة حقوق وصول دائمة إلى ميناء بربرة الرئيسي ومطارات مثل أدين وهوبيو، مع إمكانية إقامة مرافق لوجستية وتدريبات مشتركة.
وتؤكد الخرطوم أن هذا الشراكة ستعزز قدراتها في مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة البحرية، التي تمثل نحو 10% من التجارة العالمية عبر البحر الأحمر.
أعلن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في خطاب ألقاه أمس، أن “الصومال ترفض أي محاولات لتقويض وحدتها الترابية، وتؤكد أنها الشريك الشرعي الوحيد للدول الصديقة”.
وأضاف أن الاتفاقية ستشمل بنوداً اقتصادية مثل تطوير البنية التحتية المينائية وتدريب 5000 جندي صومالي، مقابل دعم أمريكي بقيمة 500 مليون دولار سنوياً.
هذا العرض يأتي عقب تصريحات مسؤول رفيع في أرض الصومال، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي تسيطر على 80 ألف كيلومتر مربع في الشمال الغربي، حيث قال الرئيس موسى باهل غيلو إن إقليمه “مستعد لمنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى مواردها المعدنية الغنية باليورانيوم والنحاس، ومنشآته العسكرية في بربرة، كجزء من دبلوماسية أوسع للاستقلال الدولي”.
رفضت موغاديشو هذا العرض معتبرة إياه “تآمر انفصالي” يهدد سيادتها.
يأتي هذا التجديد في وقت تتصاعد فيه المنافسة على القرن الأفريقي بين القوى الكبرى.
تركيا، التي تدير قاعدة عسكرية في موروديشو منذ 2017، وقّعت اتفاقيات دفاعية مع الصومال تشمل تدريب 10 آلاف جندي بحلول 2025.
كما دخلت الإمارات العربية المتحدة السباق عبر اتفاقية بربرة 2016، التي منحتها إدارة الميناء مقابل 442 مليون دولار، قبل أن تسحب الصومال الاتفاقية عام 2024 بسبب خلافات مع أرض الصومال.
أما قطر، فقد تعهدت بمليار دولار لدعم الجيش الصومالي ضد الشباب.
هذه التحركات تعكس أهمية موقع الصومال الاستراتيجي، حيث يمر 20 ألف سفينة سنوياً عبر مضيقه، ويحتوي على احتياطيات غاز متوقعة تصل إلى 30 تريليون قدم مكعب.
من جانبها، ترفض أرض الصومال الاعتراف الفيدرالي، مشيرة إلى استقرارها النسبي ونجاحها في مكافحة القرصنة منذ 2011، مقابل فشل موغاديشو في السيطرة على مناطق الشباب.
ودعا غيلو إلى “شراكة أمريكية مباشرة” تشمل استثمارات في التنقيب المعدني، الذي يقدر بـ100 مليار دولار، معتبراً أن بربرة أفضل بديل لقاعدة الولايات المتحدة في جيبوتي التي تكلف 1.4 مليار دولار سنوياً.
التأثيرات الأمنية والاقتصاديةأمنياً، ستعزز الاتفاقية الأمريكية الصومالية القدرات ضد تنظيم الشباب، الذي يسيطر على 20% من الأراضي ويشن هجمات أسبوعية، كما حدث في انفجار كمباله يناير 2026 الذي أودى بحياة 50 شخصاً.
اقتصادياً، من المتوقع أن يولد التعاون إيرادات مينائية تصل إلى 2 مليار دولار بحلول 2030، مع تطوير مطار بربرة ليستوعب 5 ملايين مسافر سنوياً.
ومع ذلك، يحذر مراقبون من مخاطر الاعتماد على قوى خارجية، مشيرين إلى تجربة جيبوتي التي تحولت إلى مركز نفوذ صيني أمريكي. كما قد يؤجج العرض المنافس صراعات قبلية بين قبائل هروية المهيمنة في أرض الصومال وقبائل داروود في الجنوب.
دولياً، رحبت الولايات المتحدة بالمقترح الصومالي الرسمي، حيث قال المتحدث باسم البنتاغون “نحن ملتزمون بشراكات مع حكومات شرعية”. أما الاتحاد الأفريقي، فقد دعا إلى احترام وحدة الصومال، محذراً من “تقسيم الشرق الأفريقي”.
في الخليج، أعربت السعودية عن اهتمامها بدعم الاستقرار، خاصة مع هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر التي أثرت على 30% من صادراتها النفطية.
تحديات أمام الصومال
يواجه المقترح تحديات داخلية، إذ يعاني الجيش الصومالي من انشقاقات قبلية وفساد يقدر بنسبة 40% من المساعدات الخارجية.
كما يرفض إقليم بونتلاند الانضمام إلى أي اتفاق دون حصة، مما قد يعيق التنفيذ. على الصعيد الدولي، قد يثير التجديد غضب الصين، التي تستثمر 4 مليارات في موانئ الصومال.
ومع ذلك، يرى خبراء أن نجاح الاتفاقية يعتمد على ضمانات أمريكية لعدم دعم الانفصاليين، مع ربطها بمفاوضات سلام مع الشباب.
في الختام، يمثل عرض الصومال تجديداً لدورها كلاعب رئيسي في الشطرنج الجيوسياسي للقرن الأفريقي، لكنه يفتح الباب أمام مخاطر التقسيم إذا لم تُدار المنافسة بحكمة.
مع تأكيدها على شرعيتها الوحيدة، تسعى موغاديشو لتحويل موقعها الاستراتيجي إلى أداة قوة، وسط توازنات إقليمية معقدة تهدد الاستقرار الإقليمي










