منذ أسابيع تتزايد التقارير عن نشر آلاف الجنود الإثيوبيين على حدود إقليم تيغراي الشمالي، مما يثير مخاوف من اندلاع صراع واسع النطاق
أديس أبابا – 23 فبراير 2026
تتصاعد المخاوف من حرب جديدة في إقليم تيغراي في إثيوبيا، الذي كان مسرحًا للصراع المسلح بين 2020 و2022 وانتهى باتفاقيات بريتوريا. منذ أسابيع، تتكاثر التقارير التي تشير إلى نشر آلاف الجنود الإثيوبيين على الحدود الشمالية للإقليم، مما يزيد المخاوف من صراع وشيك على نطاق واسع.
وفقًا لما أوردته قناة “بلومبرغ” نقلاً عن دبلوماسيين إقليميين، فقد تم تحريك القوات والمعدات الإثيوبية شمالًا، مرورًا بمدينة بحر دار. وزادت التوترات الأخيرة اشتعالًا بعد اندلاع مواجهات في غرب تيغراي بين القوات التيغرية والجيش الفيدرالي، تلتها سلسلة هجمات بطائرات مسيرة في وسط تيغراي، مما فاقم التوترات الكامنة.
كما تم تعبئة القوات الفيدرالية من مناطق أوروميا وبني شنقول-جوموز والصومال وهارياري وديّري داوا، بينما يبدو أن الأسلحة الثقيلة تتحرك نحو تيغراي، مع تداول واسع لصور وحدات مدفعية وشاحنات موجهة شمالًا. وأكد إعلان وزارة الدفاع حالة التأهب القصوى واستدعاء آلاف الضباط المتقاعدين والاحتياطيين للعودة إلى الجيش، حجم التوتر المتصاعد. كما فتح هيئة الأركان الإثيوبية باب التسجيل للقوات القتالية المتمرسة بشروط صارمة لمنع أي خيانة محتملة للحكومة الفيدرالية.
في هذا السياق، ألغت شركة الخطوط الجوية الإثيوبية، يوم 29 يناير الماضي، رحلاتها إلى تيغراي بعد اندلاع اشتباكات في منطقة تسيلامتي، وهي منطقة متنازع عليها بين تيغراي وإقليم أمهرة، قبل أن تعيد استئناف الرحلات في 3 فبراير.
التحالفات الإقليمية ودور إريتريا
اتهمت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية في الوقت ذاته قوات تيغراي ومليشيات أمهرة “فانو”، التي كانت حليفة للقوات الإثيوبية خلال الصراع السابق لكنها انفصلت لاحقًا، بالتحالف ضد الجيش الفيدرالي، الذي يخسر السيطرة في إقليم أمهرة. وقد تم استعادة مدن إقليمية مهمة، من بينها دبري تابر، على بعد حوالي 100 كيلومتر من بحر دار، والتي تعرضت لهجمات متكررة بطائرات مسيرة خلال الأسابيع الماضية.
في هذا السياق، برز الدور الجديد لإريتريا، التي عادت هذه المرة لدعم جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، خلافًا لدورها في صراع 2020-2022، مؤكدًة على تاريخ التنافس الطويل مع إثيوبيا منذ استقلالها عام 1993 وصراع الحدود بين 1998 و2000.
يزيد الوضع اشتعالًا، المطالبة الإثيوبية القديمة بالحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، الذي حُرم من إثيوبيا بعد استقلال إريتريا عام 1993. ويرى بعض المراقبين أن هذا الطموح يمثل أحد العوامل الرئيسية المحتملة لاندلاع حرب جديدة، كما أكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مؤخرًا.
الاستعراض العسكري والتصعيد الرمزي
في مستهل فبراير، صرح آبي أحمد في البرلمان بأن البحر الأحمر وإثيوبيا “لا يمكن أن يبقيا مفصولين إلى الأبد”. ويأتي هذا في سياق حشد عسكري كبير أمس الأحد 22 فبراير في أوواسَا، احتفالًا بالذكرى الخامسة والستين لتأسيس قيادة العمليات الخاصة الإثيوبية – وحدة النخبة التي تضم فرقًا مظلية، كوماندوز، ووحدات مكافحة الإرهاب – بحضور رئيس الوزراء.
وقال آبي أحمد إن الاستعدادات العسكرية تهدف إلى “أن تكون دعامة وحصنًا للدول الإقليمية”، مضيفًا أن التدريب العسكري للقوات الإثيوبية، الذي كان مقتصرًا على العمليات البرية، توسع ليشمل العمليات البحرية. وكانت اللافتة الكبيرة في المدرجات مكتوبة بالأمهرية: “سواء أحبونا أو كرهونا، لن نعيش بلا منفذ للبحر”.
بعد نهاية الصراع في تيغراي، اقتربت إريتريا من حلفائها السابقين التيغريين خوفًا من أي هجوم محتمل على ميناء عصب على ساحل البحر الأحمر، رغم نفيها أي تحالف رسمي معهم، ما أثار القلق في أديس أبابا حيث يتم استدعاء قوات الاحتياط.
الانقسامات الداخلية في جبهة تحرير شعب تيغراي.
TPLF والمخاطر الاستراتيجية
يزيد الانقسام الداخلي في جبهة تحرير شعب تيغراي.
TPLF الوضع تعقيدًا، حيث انقسم الحزب منذ عدة أشهر إلى فصيلين:
• الأول بقيادة زعيم الحزب والرئيس السابق للتيغراي، ديبراتسيون جبريمخائيل، بدعم من أكثر فصائل قوات الدفاع التيغرية تدخلًا؛
• الثاني بقيادة غيتاتشيو ريدا، رئيس الإدارة المؤقتة للتيغراي سابقًا ووزير مستشار لشؤون شرق إفريقيا في حكومة آبي أحمد، متهم بقربه الشديد من أديس أبابا.
يزيد هذا الانقسام من خطر اتخاذ قرارات مستقلة وخاطئة على الأرض، فيما ترى إريتريا في تحالفها مع الفصيل الأكثر تشددًا فرصة لتعزيز موقعها الاستراتيجي.
التوترات الإقليمية والوضع الإنساني
في باقي إثيوبيا، ما تزال التوترات العرقية والإقليمية قائمة، مثل تهديد مليشيات فانو في أمهرة والتمرد التاريخي في أوروميا، مما يحد من قدرة الحكومة على شن حملة عسكرية واسعة.
الوضع الإنساني في تيغراي يزداد سوءًا، حيث يقترب عدد النازحين داخليًا من مليون شخص، مع تعطّل الخدمات الأساسية منذ الحصار الفيدرالي في 2020، بالإضافة إلى وجود مخيمات كبيرة تستضيف لاجئين من السودان وجنوب السودان. في مثل هذه الظروف، حتى الاشتباكات الصغيرة يمكن أن يكون لها تأثير واسع النطاق.
تحركات إدارية وتصعيد في الأراضي المتنازع عليها
اليوم، الاثنين 23 فبراير، أعلن المجلس الانتخابي الوطني الإثيوبي (NEBE) إزالة مناطق هوميرا، أدي ريمتس، كوريم، تسيلامتي، ورايا ألماتا من ولاية تيغراي الإدارية، وهي إدارة مؤقتة أُنشئت في 2023 ضمن اتفاقية السلام في بريتوريا.
يأتي هذا القرار ضمن النزاع المستمر حول ملكية الأراضي، خاصة في غرب تيغراي، بين سلطات تيغراي وأمهرة. وتعتبر مدينة هوميرا مركزًا تجاريًا ولوجستيًا استراتيجيًا على حدود إثيوبيا والسودان وإريتريا، فضلاً عن كونها إحدى المناطق الزراعية الأكثر إنتاجية في البلاد.
خلال صراع تيغراي، سيطرت القوات الفيدرالية على هوميرا، بدعم من الأمهرة والقوات الإريترية التي أصبحت اليوم معادية لأديس أبابا.
احتمالية تحالفات عسكرية جديدة
تغيّر موازين القوى وإعادة ترتيب التحالفات بين المتمردين الإثيوبيين، خصوصًا مليشيات الأمهرة، دفعت الحكومة الفيدرالية لمحاولة السيطرة على هذه المناطق.
وفقًا لمصادر غير مؤكدة، تم توقيع اتفاق مؤخرًا بين TPLF، مليشيات فانو، الجيش التحرري الأورومي (OLA)، إريتريا، والقوات الموالية للجنرال عبد الفتاح البرهان، لشن هجوم محتمل على القوات الفيدرالية الإثيوبية.
لا توجد أدلة رسمية على هذا الاتفاق، وإذا تم تأكيده، فإنه يمثل تحولًا مهمًا في موازين القوى الإقليمية المعادية لرئيس الوزراء آبي أحمد، مع تداعيات محتملة أيضًا على النزاع في السودان المجاور.
إثيوبيا تعد من أبرز حلفاء قوات الدعم السريع (RSF) التي تقاتل الجيش السوداني في نزاع داخلي دموي منذ أبريل 2023. وكشفت تحقيقات وكالة “رويترز” مؤخرًا عن وجود معسكر عسكري في منطقة بني شنقول-جوموز الإثيوبية، بدعم من الإمارات العربية المتحدة، لتدريب آلاف المقاتلين من قوات الدعم السريع، ما يشكل دليلًا مباشرًا على مشاركة إثيوبيا في الحرب الأهلية السودانية.
نشوء تحالف محتمل بين أسمرا، الخرطوم، والمجموعات المتمردة الإثيوبية، من جهة، وأديس أبابا المدعومة إماراتيًا، يجعل السيناريو الإقليمي خطيرًا للغاية، ويزيد احتمال اندلاع صراع إقليمي واسع العواقب وغير المتوقعة.










