طهران – المنشر الاخباري، 24 فبراير 2026، في مشهد لافت أثار موجة واسعة من التساؤلات والجدل داخل إيران وخارجها، تلقى ملايين الإيرانيين، مساء اليوم الاثنين، رسائل نصية مفاجئة على هواتفهم المحمولة، كتبت باللغة الفارسية، وتحمل رسالة سياسية موجهة بشكل مباشر إلى الشعب الإيراني، تؤكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “رجل أفعال”، مع تلميح واضح إلى أن أحداثا جوهرية باتت وشيكة الوقوع.
نص الرسالة وتداعياتها الفورية
جاء نص الرسالة الغامضة واضحا ومقتضبا في آن معا، إذ خاطبت المرسلون المجهولون الإيرانيين بعبارة مثيرة: “إلى شعب إيران المظلوم، رئيس الولايات المتحدة رجل أفعال وسترون قريبا”.
وقد أحدثت هذه الرسالة، رغم قصرها، صدى واسعا في الشارع الإيراني، حيث سارع كثير من المواطنين إلى تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما أشعل نقاشات حامية حول مضمونها وهوية مرسليها والغاية الحقيقية التي تسعى إلى تحقيقها.
وقد تباينت ردود الفعل الشعبية بشكل لافت؛ فبينما أبدى بعض المواطنين استغرابا وقلقا من هذا الاختراق الواضح لمنظومة الاتصالات الإيرانية، وجد آخرون في الرسالة دلالات سياسية بالغة الأهمية، خاصة في ظل المناخ الإقليمي والدولي المتوتر الذي تعيشه المنطقة، والملف النووي الإيراني الذي يراوح مكانه دون التوصل إلى حلول جذرية.
الحرس الثوري يتحدث عن “رسالة غامضة”
لم تتأخر وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري الإيراني في الإشارة إلى الحادثة، وإن جاء توصيفها في إطار يقلل من أهميتها ظاهريا، إذ وصفت الرسالة بأنها “غامضة”، في محاولة يرى فيها المراقبون رغبة في التخفيف من وطأة التساؤلات المثارة حول مدى هشاشة المنظومة الأمنية الرقمية الإيرانية أمام عمليات الاختراق الخارجية.
وتأتي هذه الحادثة في سياق توترات متصاعدة بين طهران وواشنطن، وفي وقت يصعد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته تجاه إيران في عدة ملفات، أبرزها الملف النووي والدور الإيراني في المنطقة، مما يجعل كل رسالة أو إشارة، مهما بدت صغيرة، تحمل أبعادا استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
وكالة فارس: عملية اختراق إلكتروني
على الصعيد التقني، كشفت وكالة “فارس” الإيرانية للأنباء، المقربة من الحرس الثوري، أن الرسائل النصية لم تصل إلى الإيرانيين عبر قنوات رسمية أو اتصالات مباشرة، بل جاءت نتيجة عملية اختراق إلكتروني متطورة استهدفت إحدى منصات إرسال الرسائل الدعائية الجماعية، وهي منصات تستخدم عادة لإرسال رسائل تجارية أو إعلانية لشرائح واسعة من المشتركين.
ويشير هذا الكشف إلى أن الجهة المنفذة للعملية تمتلك كفاءات تقنية عالية المستوى، تمكنت من اختراق منظومة إيرانية داخلية وتوظيفها لإيصال رسالة ذات طابع سياسي واضح إلى الملايين في وقت واحد. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول البنية التحتية الرقمية الإيرانية ومدى قدرتها على التصدي لمثل هذه العمليات.
وكانت إيران قد شهدت في السنوات الأخيرة سلسلة من الاختراقات الإلكترونية، أبرزها هجمات استهدفت منشآتها النووية وبنيتها التحتية الحيوية، غير أن اختراق منصة إرسال رسائل جماعية بهذا الشكل العلني يعد نمطا مغايرا يهدف بالدرجة الأولى إلى الوصول المباشر إلى الرأي العام الإيراني وزرع الشك والتساؤل في أوساطه.
السياق الجيوسياسي: توترات متصاعدة
لا يمكن قراءة هذه الحادثة بمعزل عن السياق الجيوسياسي المحيط بها. فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تتصاعد حدة التصريحات والمواقف الأمريكية من الملف الإيراني، في ظل سياسة “الضغط الأقصى” التي يبدو أن الإدارة الأمريكية الجديدة عازمة على المضي فيها، مقرونة بتلميحات متكررة إلى خيارات عسكرية في حال استمرار طهران في تطوير برنامجها النووي.
وتعيش إيران من جهتها ضغوطا اقتصادية متراكمة جراء العقوبات الدولية المفروضة عليها، فضلا عن مشكلات داخلية متعددة، في وقت تواصل فيه الحكومة خطابها المعتاد بالتصدي للضغوط الخارجية ورفض أي إملاءات أجنبية.
ويرى المحللون أن رسائل كهذه، حتى وإن بدت بسيطة في شكلها، تندرج ضمن حرب النفوذ والتأثير النفسي التي تخوضها أطراف متعددة على الساحة الإيرانية.
من وراء الرسالة؟
بقيت الجهة التي تقف وراء إرسال هذه الرسالة مجهولة حتى لحظة إعداد هذا التقرير، ولم تتبن أي جهة رسمية المسؤولية عنها. غير أن المحللين يشيرون إلى احتمالات عدة؛ أبرزها أن تكون عملية استخباراتية موجهة تهدف إلى زعزعة الثقة بين الحكومة الإيرانية ومواطنيها، أو عملية نفسية تستهدف الرأي العام الإيراني في لحظة حساسة، وربما تكون من تنفيذ جماعات معارضة إيرانية تعمل من خارج البلاد وتسعى إلى توجيه رسائل مباشرة إلى الداخل الإيراني متجاوزة الرقابة الرسمية.
ختاما: رسالة قصيرة بأبعاد بعيدة
في النهاية، ربما لا تتجاوز الرسالة في مبناها بضع كلمات، لكن معناها ومراميها يمتدان إلى فضاءات سياسية وأمنية أوسع بكثير. فهي من جهة تكشف عن ثغرات في المنظومة الرقمية الإيرانية.
ومن جهة ثانية توصل إشارة سياسية إلى الشارع الإيراني بشكل مباشر دون وسيط، ومن جهة ثالثة تذكر بأن الحرب على إيران لم تعد تخاض بالأسلحة التقليدية فحسب، بل امتدت لتشمل فضاء الاتصالات والرأي العام والوعي الجمعي.
وتبقى عبارة “وسترون قريبا” الأكثر إثارة للتكهنات، إذ تحمل في طياتها وعدا أو تهديدا، أو كليهما معا، في منطقة تتشابك فيها الأزمات وتتقاطع فيها المصالح، ولا يبدو أفقها السياسي في طريقه إلى الانفراج في أي وقت قريب.










