المنشر الاخباري- 24 فبراير 2026كشفت وسائل إعلام إسرائيلية بارزة عن تطورات بالغة الخطورة تتعلق بالملف الإيراني، إذ أفادت بأن ثمة توافقا أمريكيا إسرائيليا واضحا بشأن شكل الضربة العسكرية المرتقبة ضد إيران، وذلك في ظل معلومات تشير إلى أن الاستعدادات العسكرية اللازمة لتنفيذ العملية قد بلغت مراحلها الأخيرة، تنفيذا للتعهد الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمواجهة طهران في حال فشل المسار الدبلوماسي في وقف برنامجها النووي.
“كان” تكشف تفاصيل التفاهم
نقلت هيئة البث الإسرائيلية “كان”، وهي من أبرز المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية وأكثرها مصداقية في تغطية الشؤون الأمنية والاستراتيجية، تفاصيل دقيقة حول السيناريو العسكري المتفق عليه بين واشنطن وتل أبيب.
وبحسب ما أوردته الهيئة، فإن التفاهم المبرم بين الجانبين يقضي بأن تتولى الولايات المتحدة الأمريكية منفردة تنفيذ “الضربة الأولى” ضد المنشآت الإيرانية المستهدفة، في حين ستبقى إسرائيل في موقع المراقب والمستعد، على أن تتدخل عسكريا بشكل مباشر فقط في حال تعرضت لأي استهداف إيراني انتقامي يمس أراضيها أو مصالحها.
ويعكس هذا التقسيم للأدوار قناعة استراتيجية مشتركة لدى الطرفين مفادها أن إبقاء إسرائيل بعيدة عن الضربة الأولى يقلل من احتمالية تصوير الهجوم على أنه عدوان إسرائيلي على إيران، مما يضعف أي مسعى إيراني لحشد الرأي العام الإقليمي أو استدراج حلفائها في المنطقة للانخراط في مواجهة واسعة النطاق.
الاستعدادات العسكرية في مراحلها الأخيرة
تأتي هذه المعطيات في سياق تصعيدي متسارع، إذ أفادت تقارير متعددة بأن الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري في المنطقة بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة، شمل نشر حاملات طائرات إضافية في مياه الخليج وبحر العرب، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي في القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، فضلا عن تكثيف الرحلات الاستطلاعية فوق الأجواء المحيطة بإيران.
وتضاف إلى ذلك تقارير تشير إلى أن البنتاغون وضع خططا تفصيلية دقيقة تستهدف منشآت نووية إيرانية رئيسية، في مقدمتها موقع نطنز لتخصيب اليورانيوم، ومنشأة فوردو المحصنة تحت الأرض، إلى جانب مواقع عسكرية وصاروخية استراتيجية تابعة للحرس الثوري الإيراني.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وجه في وقت سابق رسالة مباشرة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، حذره فيها صراحة من التداعيات الوخيمة في حال رفضت إيران التفاوض على برنامجها النووي، مؤكدا أن واشنطن لن تتردد في اللجوء إلى الخيار العسكري إذا أغلق باب الدبلوماسية.
وقد جاءت الاستعدادات العسكرية التي تحدثت عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية لتعطي هذه التحذيرات مضمونا عمليا يتخطى حدود البلاغة السياسية المعتادة.
أبعاد التفاهم الأمريكي الإسرائيلي
يحمل التفاهم الذي كشفت عنه هيئة “كان” دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز التنسيق التكتيكي البحت، فمن الناحية العملية، يعني هذا التفاهم أن إسرائيل منحت الولايات المتحدة “الضوء الأخضر” الضمني لتوجيه ضربة عسكرية ضد منشآت إيرانية، وهي ضربة طالما أرادتها تل أبيب لكنها تحاشت تنفيذها منفردة خشية التبعات الإقليمية والدولية.
كما يعني هذا الترتيب من الناحية السياسية أن إسرائيل تضمن لنفسها الحق في الرد المباشر في حال تعرضها لصواريخ إيرانية أو ضربات من وكلاء طهران في المنطقة، كحزب الله في لبنان، أو الحوثيين في اليمن، أو الفصائل المسلحة في العراق وسوريا.
وهو ما يعني من الناحية النظرية أن أي رد إيراني على الضربة الأمريكية قد يستدرج إسرائيل بشكل مباشر إلى الصراع، محولا ما بدأ ضربة أمريكية محدودة إلى مواجهة إقليمية شاملة تصعب السيطرة على تداعياتها.
ويرى المحللون الاستراتيجيون أن الرهان الأمريكي الإسرائيلي يقوم على فرضية أن الضربة الأولى إذا كانت كافية القوة وموجهة بدقة نحو المنشآت النووية والصاروخية الحيوية، فإنها ستلحق بالقدرات الإيرانية ضررا بالغا يعيق أي رد انتقامي واسع النطاق، مما يقلص هامش الخيارات المتاحة أمام طهران إلى حدودها الدنيا.
إيران بين خيارات صعبة
في المقابل، تجد إيران نفسها أمام معادلة بالغة التعقيد؛ فهي لا تملك ترف الانتظار الطويل في ظل الضغوط الاقتصادية الخانقة وتصاعد الضغوط الداخلية، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن أي مواجهة عسكرية مفتوحة مع الولايات المتحدة ستكون ذات كلفة باهظة لا تتحملها قدراتها العسكرية والاقتصادية الراهنة.
وقد كشفت الرسائل النصية الغامضة التي وصلت إلى ملايين الإيرانيين مساء اليوم، والتي تحدثت عن أن ترامب “رجل أفعال” وأن الإيرانيين “سيرون قريبا”، عن بعد آخر للمواجهة يتجاوز الميدان العسكري ليصل إلى الحرب النفسية وحرب الاتصالات والتأثير على الرأي العام الداخلي الإيراني. وهو ما يشير إلى أن الضغط على طهران يسير على مسارات متعددة ومتزامنة في آن واحد.
وتواصل إيران من جهتها التمسك بخطابها الرسمي الثابت القائم على رفض أي ضغوط خارجية ورفض الانتقاص من حقها في امتلاك برنامج نووي سلمي، فيما تؤكد الأجهزة العسكرية والاستخباراتية الإيرانية قدرتها على التصدي لأي تهديد خارجي. غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع ميداني يشير إلى أن الاستعدادات العسكرية الأمريكية قد بلغت مستوى غير مسبوق في جديته ومداه.
الموقف الإقليمي والدولي
لا تبدو القوى الإقليمية والدولية بعيدة عن دائرة هذا التصعيد المتسارع. فدول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات، تراقب المشهد بعيون فاحصة، وإن كانت تؤثر في الغالب الصمت العلني على التصريح بمواقفها الحقيقية. فهي من جهة ترى في الخطر النووي الإيراني تهديدا وجوديا لأمنها القومي، لكنها من جهة أخرى تخشى أن تؤدي مواجهة عسكرية مفتوحة في المنطقة إلى زعزعة استقرارها الداخلي وإلحاق أضرار بالغة باقتصاداتها.
أما روسيا والصين، القوتان الدائمتا العضوية في مجلس الأمن اللتان تجمعهما علاقات وثيقة بطهران، فقد أعربتا في مناسبات متعددة عن رفضهما لأي خيار عسكري ضد إيران، مؤكدتين ضرورة الحل الدبلوماسي وإحياء مسار الاتفاق النووي. غير أن موقفهما هذا لم يثبط المساعي الأمريكية الإسرائيلية أو يعيق الاستعدادات الجارية على ما تكشفه التقارير.
ختاما: العالم على شفير مرحلة جديدة
تتشابك خيوط هذا المشهد المعقد لتلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل المنطقة والعالم. فالتوافق الأمريكي الإسرائيلي على سيناريو عسكري محدد، مقرونا باكتمال الاستعدادات الميدانية ورسائل التحذير النفسي الموجهة للداخل الإيراني، يشكل مجتمعا منظومة ضغط غير مسبوقة تمارس على طهران في لحظة بالغة الحساسية.
ويبقى السؤال المحوري معلقا في الهواء: هل ستفضي هذه الضغوط المتراكمة إلى دفع إيران نحو قبول مفاوضات جدية حول ملفها النووي قبل فوات الأوان؟ أم أن الأسابيع القليلة القادمة ستشهد تحولا دراميا في خريطة المنطقة تكون فيه الضربة العسكرية حقيقة واقعة لا مجرد سيناريو افتراضي؟
الوقت وحده كفيل بالإجابة، لكن كل المؤشرات توحي بأن المنطقة تقف اليوم على مشارف مرحلة جديدة لن تكون في أي حال من الأحوال شبيهة بما سبقها.









