خاص – المنشر الإخباري | الثلاثاء، 24 فبراير 2026 في قراءة سيميولوجية (علم العلامات) لافتة، كشف الدكتور خالد سلامة، أستاذ علم اللغة الفارسية بكلية الآداب جامعة أسيوط “جنوب مصر”، عن دلالات عميقة خلف المظهر الذي أطل به علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، عقب صدور تفويضه من قبل المرشد الأعلى علي خامنئي لإدارة ملف المفاوضات الإيرانية الأمريكية المتعثرة.
لاريجاني إلى مسقط غداً: رد إيران النووي يصل عُمان
أنثروبولوجيا الألوان.. الزمرد الأخضر للبدايات الجديدة
ما الذي استوقف سلامة في صورة لاريجاني التي تداولتها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي؟ إنها مسبحة الزمرد الأخضر التي كان يمسك بها، وملابسه غير الكلاسيكية التي يتوافق لونها مع لون الحجر ذاته، في تناسق لا يمكن أن يكون محض صدفة في نظر الدارس للموروث الثقافي الإيراني.
ويوضح سلامة، الذي أمضى سنوات في دراسة الفلكلور والأنثروبولوجيا الثقافية الإيرانية وأصدر كتابا حول رمزية الأرقام والألوان والأحجار في الموروث الإيراني عام 2002، أن الزمرد في التراث الفارسي ليس مجرد حجر كريم للزينة، بل يحمل منظومة دلالية متكاملة راسخة في الوجدان الإيراني.

ويضيف الزمرد من أعلى الأحجار صلابة على الإطلاق، ويعبر تقليديا عن الشجاعة والقدرة على التحمل والحظ السعيد والبدايات الجديدة، وهي رزمة من الدلالات تبدو وكأنها صيغت خصيصا لوصف طبيعة المرحلة التفاوضية الدقيقة التي يخوضها لاريجاني.
وفي قراءة سلامة، فإن اختيار الزمرد الأخضر في هذا التوقيت بالذات يحمل رسالة مزدوجة: للداخل الإيراني مفادها أن المفاوض يدخل معركته من موقع القوة والثقة، وللطرف الأمريكي مفادها أن الوفد الإيراني لن يكون سهل الانكسار أو قابلا للتنازل عن المصالح الجوهرية.
ترامب يحذر إيران من “عواقب خطيرة” حال فشل المفاوضات النووية… وطهران ترد: “التخصيب أو لا اتفاق”
ثلاثة خواتم وثلاث رسائل
ولا يقف تحليل سلامة عند مسبحة الزمرد وحدها، بل يمتد ليشمل ما رصده من خواتم في يدي لاريجاني، كل منها يضيف طبقة إضافية من المعنى. فعلى اليد اليمنى يلمع خاتم الألماس، وهو الحجر الأشد صلابة بين كل المعادن والأحجار المعروفة.

ويرى فيه سلامة دليلا على “صلابة مفرطة فيما هو آت”، رسالة للطرف المقابل بأن ثمة خطوطا حمراء لن تتجاوز مهما بلغت الضغوط.
أما اليد اليسرى فتزينها خاتم العقيق الكبدي، وهو حجر يرمز في الثقافة الإيرانية إلى السكينة والطمأنينة والهدوء والسعة، في إشارة إلى أن الوفد الإيراني لن يدخل المفاوضات في حالة ضغط أو اضطراب نفسي، بل من موقع الرزانة والاطمئنان.
خاص | عقيدة “الحرس القديم”.. كيف يحصن خامنئي “قلعة السلطة” بوجه ترامب وتمرد الضباط الصغار؟
وفي قراءة سلامة الإجمالية، تتشكل من مجموع هذه الرموز رسالة دبلوماسية متكاملة مفادها: “مفاوضات بعقيدة مرنة، نعم، لكنها ليست ضعيفة ولا هشة ولن تقبل الدنيئة”.

سابقة نجاد: حين غير الخاتم قبل الإعلان عن الموقف
ولتعزيز منهجه التحليلي بسابقة تاريخية موثقة، يستحضر سلامة نموذجا من عام 2007 حين لفتت أنظار المراقبين تغيير مفاجئ في خاتم الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد؛ إذ ظهر مرتديا خاتما فيروزيا بدلا من خاتمه العقيقي الأشهر المعروف بـ”شرف الشمس”.
ولم يكن ذلك مجرد تفصيل عابر، فبعد وقت قصير من هذا الظهور أعلن نجاد موقفا مدويا لا تراجع فيه عن البرنامج النووي الإيراني، مما جعل المحللين يعيدون قراءة لغة الأحجار الكريمة بجدية استراتيجية لم تكن متاحة من قبل، بحسب سلامة.

وترسخ هذه السابقة ما يذهب إليه سلامة من أن توظيف رمزية الأحجار والألوان في السياسة الإيرانية ليس ضربا من التفسير المبالغ فيه، بل هو تقليد أنثروبولوجي ثقافي قديم ومتجذر يستخدمه الزعماء الإيرانيون بوعي ودراية للتواصل مع جمهورهم الداخلي وإرسال إشارات مدروسة للمراقبين الخارجيين في آن معا.
هل سيعزل ترامب إيران دبلوماسياً ويضعفها اقتصاديا …؟ الخبراء يجيبون
حسابات ما بعد الهيبة: لغة الخسائر الاقتصادية
وفي سياق أوسع يتخطى قراءة الرموز، يقدم سلامة تحليلا استراتيجيا لطبيعة المعادلة التي تجلس إيران على طرف منها في هذه المفاوضات.
ويرى الباحث أن “عنصر المفاجأة” في أي مواجهة عسكرية محتملة قد زال تماما، وحلت محله حسابات أكثر برودة وأعمق أثرا تتعلق بحجم الخسائر ومردودها الاقتصادي قبل أي اعتبار عسكري أو استراتيجي.

ويقدم الباحث في هذا السياق مثالا يعده بالغ الدلالة؛ فإسقاط طائرة من طراز F-35 أو F-22، وهي من أغلى المقاتلات العسكرية الأمريكية وثمن الواحدة منها يبلغ مئات الملايين من الدولارات، لن يكون مجرد خسارة عسكرية عابرة.
فالكارثة الحقيقية في نظره ستكون إثبات عدم جدوى هذه الطائرات أمام الرأي العام الدولي وأمام الدول المشترية، مما سيحول دفة صفقات التسليح الكبرى نحو الجهات التي نجحت في إسقاطها، وهي تحديدا محور الصين وروسيا وإيران، في ما يشكل انهيارا لمنظومة النفوذ الاقتصادي الأمريكي المرتبطة بصناعة الأسلحة وإعادة رسم موازين القوى العظمى على المدى البعيد.
خاص| خريطة “عقول الردع”: من يدير المواجهة الإيرانية مع ترامب بعد زلزال الاغتيالات؟
رسالة إيران الكاملة: قوة بلا تهور
وفي الخلاصة التحليلية التي يقدمها سلامة، تبدو إيران في هذه المرحلة وكأنها تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها طرفا يجمع بين الاستعداد الحقيقي للتفاوض والتمسك الراسخ بثوابته، لا يقدم على المواجهة طيشا ولا يقبل الإذعان ضعفا.

وتجسد لغة الزمرد والألماس والعقيق على يدي لاريجاني هذه المعادلة الدقيقة في صورة تخاطب الوجدان الإيراني والمراقب الخارجي معا.
وفي النهاية، سواء أخذ المرء بهذه القراءة الرمزية أم تحفظ عليها، فإن ما لا جدال فيه هو أن إيران تحسن توظيف كل أدواتها في معركة الصورة والرسالة، من المسبحة الخضراء إلى خاتم الألماس إلى أروقة جنيف، في لعبة دبلوماسية متعددة الأبعاد لا تنتهي عند الطاولة وحدها.










