أطلق المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، تحذيراً شديد اللهجة بشأن ضبابية المشهد النووي الإيراني، مؤكداً أن الوكالة فقدت القدرة على تحديد الحجم الدقيق لاحتياطيات اليورانيوم المخصب لدى طهران. وأوضح جروسي أن هذا الفراغ المعلوماتي يفتح الباب أمام احتمالات التصعيد العسكري إذا ما فشلت الجهود الدبلوماسية في احتواء الأزمة.
غياب اليقين والمخاطر الوجودية
في مقابلة صريحة مع قناة RTVC، أعرب جروسي عن قلقه العميق من الفجوة المعرفية التي تعاني منها الوكالة حالياً. وصرح قائلاً: “الوكالة ليس لديها علم دقيق بوضع احتياطيات اليورانيوم المخصب في إيران حالياً، وهذا ما يخلق حالة من عدم اليقين”.
وشدد المدير العام على أن “عدم اليقين” ليس مجرد مصطلح فني، بل هو محرك للمخاطر الجيوسياسية، مضيفاً بصيغة تحذيرية: “عدم اليقين يمكن أن يؤدي إلى اتخاذ قرارات مصيرية”، في إشارة واضحة إلى أن الدول الفاعلة قد تلجأ لخيارات اضطرارية بناءً على تقديرات أمنية في ظل غياب البيانات الموثوقة من المفتشين الدوليين.
الاتفاق ليس مستحيلاً.. ولكن
رغم السوداوية التي تفرضها الأرقام المفقودة، لم يغلق جروسي الباب أمام الحلول السياسية. وأكد في حديثه أن العناصر الضرورية للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني موجودة بالفعل على الطاولة، مشيراً إلى أن العقبات المتبقية ليست تقنية بقدر ما هي إرادة سياسية.
واعتبر جروسي أن التوصل إلى صيغة توافقية “ليس مستحيلاً”، شريطة وجود رغبة حقيقية من كافة الأطراف في تقديم تنازلات تضمن سلمية البرنامج الإيراني من جهة، ورفع العقوبات الاقتصادية عن طهران من جهة أخرى.
شبح “القوة” يخيم على المفاوضات
انتقل جروسي في حديثه إلى محور العلاقة بين واشنطن وطهران، مشدداً على أن المفاوضات الثنائية أو المتعددة الأطراف بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية يجب أن تُفضي إلى نتائج ملموسة في القريب العاجل. وحذر من أن الفشل في الوصول إلى اتفاق لن يعني فقط استمرار الوضع الراهن، بل قد يعني الانزلاق نحو سيناريوهات أكثر خطورة.
وقال جروسي: “يجب أن تؤدي المفاوضات إلى اتفاق، وإلا فقد يتم تمهيد الطريق لاستخدام القوة”. هذا التصريح يعكس حجم الضغوط الدولية المتزايدة، حيث يرى مراقبون أن استمرار إيران في رفع مستويات التخصيب بعيداً عن أعين الرقابة الدولية قد يدفع بعض القوى الإقليمية أو الدولية للقيام بعمل عسكري استباقي لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي.
خارطة الطريق: الحفاظ على الحوار
وفي ختام تصريحاته، حدد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الهدف الاستراتيجي في هذه المرحلة الحرجة، مؤكداً أن الهدف الفوري هو الحفاظ على استمرارية المفاوضات تحت أي ظرف.
واعتبر أن بقاء قنوات الحوار مفتوحة هو الصمام الوحيد لمنع تصعيد التوترات إلى مستوى “اللانهاية”، ومنع تحول الملف النووي من أزمة سياسية إلى مواجهة ميدانية مفتوحة.
تأتي هذه التصريحات في وقت حساس تمر به المنطقة، حيث تراقب القوى الدولية بقلق تراجع مستوى التعاون بين طهران والوكالة الدولية، مما يجعل تقارير جروسي القادمة حاسمة في تحديد مسار السلم والأمن الدوليين في الأشهر المقبلة.










