توقيت غير تقليدي يكشف حسابات عسكرية ونفسية جديدة في المواجهة بين تل أبيب وطهران
طهران – المنشر الإخبارى
في تطور لافت في مسار التوترات الإقليمية، نفذت إسرائيل هجومًا عسكريًا على إيران صباح السبت، في توقيت غير معتاد مقارنة بالعمليات العسكرية السابقة التي غالبًا ما تُنفذ ليلًا. هذا التغيير في التوقيت أثار تساؤلات واسعة حول الدلالات الإستراتيجية والعسكرية وراء اختيار النهار، وكذلك اختيار يوم السبت تحديدًا لتنفيذ العملية.
ووفق ما نقلته تقارير إعلامية إسرائيلية، فإن النظام الإيراني فوجئ بالضربات التي جاءت في وضح النهار، وهو ما اعتُبر خروجًا عن النمط العملياتي التقليدي للضربات الجوية في المنطقة.
تغيير في قواعد الضربات العسكرية
يرى خبراء عسكريون أن توقيت الهجوم يعكس تحولًا في طريقة إدارة العمليات الجوية. ففي العادة تُنفذ الضربات العسكرية ليلًا للاستفادة من عنصر التخفي وتقليل فرص اكتشاف الطائرات المهاجمة.
لكن هذه المرة يبدو أن الهدف لم يكن فقط تحقيق مفاجأة تكتيكية، بل أيضًا توجيه رسالة سياسية وعسكرية واضحة.
ويقول العميد والخبير العسكري إلياس حنا إن عنصر المفاجأة في هذه العملية لم يكن إستراتيجيًا بالكامل، لأن التوتر والتوقعات بحدوث تصعيد كانت قائمة بالفعل. لكنه يوضح أن المفاجأة جاءت على المستوى العملياتي والتكتيكي، خصوصًا في طبيعة الأهداف التي تم استهدافها.
وبحسب تحليله، فإن الضربات لم تركز على الدفاعات الجوية كما يحدث عادة في بداية العمليات الجوية، بل استهدفت مباشرة بنى عسكرية حساسة في إيران.
تركيز على طهران ومراكز القوة
تشير المعلومات الأولية إلى أن الضربات استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالمنظومة الدفاعية الإيرانية، مع تركيز خاص على العاصمة طهران وبعض المواقع الإستراتيجية.
ويرى محللون أن الهدف من ذلك هو تقليص جاهزية النظام العسكري والأمني الإيراني، وضرب مراكز القيادة أو البنية التحتية المرتبطة بالقدرات العسكرية.
ويؤكد خبراء أن نجاح مثل هذه العمليات يعتمد بدرجة كبيرة على دقة المعلومات الاستخباراتية، سواء عبر الأقمار الصناعية أو شبكات الاستخبارات البشرية.
وفي حال تحقق أهداف الضربة بدقة، فإن ذلك قد ينعكس على مستوى الجاهزية العسكرية الإيرانية، ولو بشكل مؤقت.
إيران والاستعداد للحروب
مع ذلك، يشير محللون إلى أن القيادة الإيرانية أخذت منذ سنوات في الحسبان سيناريوهات الحرب المباشرة.
فقد عمل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي على تعيين بدائل في العديد من المواقع القيادية الحساسة داخل المؤسسة العسكرية، في خطوة تهدف إلى ضمان استمرارية القيادة والسيطرة في حال تعرضت شخصيات عسكرية بارزة للاستهداف.
كما أن التجارب السابقة، سواء في المواجهات الإقليمية أو خلال موجات الاحتجاج الداخلية، دفعت طهران إلى بناء منظومة قيادة متعددة المستويات.
استنفار على الجبهة الشمالية
بالتوازي مع الضربات الجوية، أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن الجيش الإسرائيلي اتخذ إجراءات احترازية على جبهات أخرى.
فقد أفادت صحيفة معاريف بأن الجيش الإسرائيلي نشر الفرقة 91 على الحدود مع لبنان، إضافة إلى استدعاء قوات الاحتياط لتعزيز الجاهزية العسكرية.
وتأتي هذه الخطوة تحسبًا لأي رد محتمل من قبل حزب الله أو أطراف حليفة لإيران في المنطقة.
ويعكس هذا التحرك قلق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من احتمال توسع المواجهة إلى أكثر من جبهة.
لماذا يوم السبت؟
أحد أكثر الأسئلة التي أثارت الجدل هو سبب اختيار يوم السبت تحديدًا لتنفيذ الهجوم.
ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي علي الأعور أن هذا التوقيت لم يكن عشوائيًا، بل جاء ضمن حسابات إستراتيجية دقيقة.
فالسبت في إسرائيل يمثل يوم عطلة شبه كاملة، حيث يتراجع النشاط الاقتصادي والمدني بشكل ملحوظ.
ويؤدي ذلك إلى تقليل حركة المرور والتجمعات السكانية، وهو ما يخفف من تأثير أي رد صاروخي محتمل قد يستهدف المدن الإسرائيلية.
حسابات الجبهة الداخلية
بحسب التحليلات، فإن تنفيذ الضربة يوم السبت يتيح للحكومة الإسرائيلية السيطرة بشكل أفضل على الجبهة الداخلية.
فخلال هذا اليوم يكون معظم السكان في المنازل، كما تكون حركة الطيران والمواصلات أقل كثافة، ما يسهل إدارة حالات الطوارئ إذا وقع رد إيراني.
كما أن الأجهزة الأمنية تستطيع تطبيق إجراءات الطوارئ بسرعة أكبر.
وقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل رفعت مستوى الاستنفار إلى الدرجة القصوى تحسبًا لأي رد فعل.
تنسيق مع واشنطن
في سياق متصل، تشير تصريحات المسؤولين الإسرائيليين إلى أن العملية تمت بتنسيق مع الولايات المتحدة.
ورغم عدم الكشف عن تفاصيل هذا التنسيق، فإن خبراء يرون أن أي عملية عسكرية بهذا الحجم لا يمكن تنفيذها دون تفاهمات سياسية وعسكرية مع واشنطن، خاصة في ظل وجود قوات أمريكية في المنطقة.
كما أن الولايات المتحدة تعد الشريك الأمني والعسكري الأبرز لإسرائيل، وهو ما يجعل التنسيق بين الجانبين أمرًا شبه حتمي في مثل هذه العمليات.
الهدف: ضرب النظام أم تغيير المعادلة؟
تصريحات المسؤولين الإسرائيليين كشفت أيضًا عن أهداف أوسع من مجرد استهداف مواقع عسكرية.
فقد ألمح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أن العملية قد تتجاوز الضربات التكتيكية، لتصل إلى هدف إستراتيجي يتمثل في تغيير طبيعة النظام الإيراني.
وبحسب تصريحات نقلها الإعلام الإسرائيلي، فإن إسقاط النظام في إيران يُطرح كهدف سياسي بعيد المدى.
لكن خبراء يرون أن تحقيق مثل هذا الهدف يتطلب أكثر من مجرد ضربات جوية، إذ يحتاج إلى مسار طويل من الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية.
رسالة ردع أم بداية مواجهة؟
في النهاية، يرى محللون أن الضربة تحمل رسائل متعددة.
فمن جهة، قد تكون محاولة لإعادة ترسيخ سياسة الردع الإسرائيلية تجاه إيران.
ومن جهة أخرى، قد تمثل خطوة في مسار تصعيدي أوسع قد يقود إلى مواجهة مباشرة بين الجانبين.
وفي ظل شبكة التحالفات المعقدة في الشرق الأوسط، فإن أي تصعيد بين إسرائيل و إيران قد يمتد بسرعة إلى ساحات أخرى في المنطقة.
وهو ما يجعل الساعات والأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الضربة مجرد عملية محدودة، أم بداية مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي.










