أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة، اليوم السبت ٢٨ فبراير، إغلاقًا مؤقتًا وجزئيًا لمجالها الجوي، في خطوة استثنائية جاءت على وقع الضربة الإسرائيلية الواسعة التي استهدفت عدة مواقع داخل إيران، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود البلدين
ويأتي القرار في لحظة توتر إقليمي حاد، بعد ساعات من تأكيد تل أبيب شن هجوم «استباقي» ضد أهداف إيرانية، وما تلاه من ردود ميدانية وإجراءات احترازية متسارعة طالت حركة الطيران في أكثر من دولة.
الهيئة العامة للطيران المدني في الإمارات أوضحت، في بيان مقتضب، أن القرار يقتصر على إغلاق «مؤقت وجزئي» للمجال الجوي، مؤكدة أنه يأتي كإجراء احترازي استثنائي يهدف إلى تأمين سلامة الرحلات الجوية والطواقم وحماية أراضي الدولة في ضوء التطورات الجارية في المنطقة.
ولفتت الهيئة إلى أنها تتابع المستجدات أولًا بأول، وأنها ستقوم بتحديث التعليمات الموجهة لشركات الطيران العاملة في أجواء الدولة تبعًا لمسار الأوضاع الميدانية.
تصعيد مفاجئ يربك أجواء المنطقةجاء القرار الإماراتي بعد ساعات من إعلان إسرائيل تنفيذ هجوم عسكري واسع ضد إيران، وصفه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بـ«الهجوم الوقائي»، بدعوى تحييد ما تعتبره تل أبيب تهديدات مباشرة لأمنها، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، بحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية.
التقارير تحدثت عن استهداف منظومات دفاع جوي وقواعد للحرس الثوري في عدة مدن إيرانية، من بينها طهران وقم وأصفهان وكرمانشاه وتبريز، وسط دوي انفجارات متتالية سجلتها وكالات الأنباء.
في المقابل، أعلنت السلطات الإيرانية إغلاق مجالها الجوي بالكامل صباح السبت، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على مستوى الخطورة الذي تنظر به طهران إلى العملية العسكرية، وحرصها على ضبط حركة الطيران المدني والعسكري في أجوائها خلال الساعات الحرجة.
هذا الإغلاق المتزامن لأجواء إيران وإجراءات الإغلاق أو التعليق المؤقت في دول أخرى بالمنطقة، وفي مقدمتها إسرائيل نفسها، أدّى إلى ارتباك واسع في حركة الطيران الإقليمي والعالمي، مع اضطرار عدد من شركات الطيران إلى تغيير مسارات رحلاتها أو تأجيلها.
الإمارات بين ضرورات الأمن واستمرارية الحركة الجويةالقرار الإماراتي بإغلاق المجال الجوي جزئيًا، لا يُنظر إليه فقط من زاوية تقييد حركة الطيران، بل من زاوية اعتباره رسالة واضحة بأن سلامة الأجواء فوق أي اعتبار آخر في لحظة توتر عسكري مفتوح على احتمالات متعددة.
فموقع الإمارات الجغرافي، كأحد أهم مراكز الطيران في العالم، يجعلها في قلب شبكة معقدة من الممرات الجوية التي تربط الشرق بالغرب، وهو ما يضاعف من حساسية أي تطور أمني في الأجواء المحيطة بإيران والخليج عمومًا.
خلال السنوات الماضية، أظهرت أزمات متتالية أن أي إغلاق أو تضييق في الأجواء الإيرانية أو المحيطة بها ينعكس مباشرة على شركات الطيران الإماراتية والدولية، التي تضطر إلى إعادة التخطيط لمسارات رحلاتها لتفادي مناطق التوتر، مع ما يترتب على ذلك من زيادة زمن الرحلات والتكاليف التشغيلية.
ومع أن الإغلاق الحالي في الإمارات مؤقت وجزئي، إلا أن توقيته، بالتزامن مع ضربات عسكرية في العمق الإيراني، يفتح الباب أمام سيناريوهات أوسع إذا ما اتجهت الأزمة نحو مزيد من التصعيد أو الردود المتبادلة.
شركات الطيران في سباق مع الزمن
إثر صدور القرار الإماراتي، بدأت شركات الطيران الإقليمية والعالمية في تقييم الموقف ووضع خطط بديلة لمسارات رحلاتها التي تمر عبر أجواء الدولة أو تتخذ من مطاراتها محطات رئيسية للربط بين القارات.
ومن المرجح أن تلجأ بعض الشركات إلى تحويل الرحلات نحو ممرات جوية أكثر بعدًا عن بؤر التوتر، أو اعتماد محطات توقف إضافية، إلى حين اتضاح الصورة الأمنية في الخليج والشرق الأوسط.
خبراء في قطاع الطيران يرون أن مثل هذه القرارات، رغم كلفتها الاقتصادية، تبقى أقل كلفة بكثير من المخاطر المحتملة على سلامة الطائرات والركاب في حال استمرار الحركة الجوية بصورة اعتيادية فوق مناطق تشهد عمليات عسكرية أو تهديدات صاروخية.
ويشيرون إلى أن سرعة استجابة السلطات الإماراتية تعكس مستوى الجاهزية العالية في إدارة الأزمات المرتبطة بالمجال الجوي، خاصة في منطقة تتقاطع فيها مسارات عشرات الرحلات العابرة للقارات يوميًا.
تداعيات سياسية وأمنية أوسعقرار إغلاق الأجواء الإماراتية، وإن كان فنّيًا في ظاهره، لا ينفصل عن المشهد السياسي والأمني الأوسع الذي تفرضه الضربة الإسرائيلية لإيران وإمكانية توسع رقعة المواجهة، سواء عبر رد مباشر من طهران أو من خلال أذرعها المنتشرة في الإقليم
فكل تصعيد جديد يعني مزيدًا من القيود على حركة الطيران والتجارة، ومزيدًا من المخاوف لدى الأسواق العالمية التي تراقب عن كثب ما يجري في واحدة من أكثر المناطق حساسية لأمن الطاقة والتجارة الدولية.
وتشير التقديرات إلى أن استمرار التوتر على هذا النحو قد يدفع دولًا أخرى إلى اتخاذ إجراءات مشابهة، سواء بإغلاق أجوائها أو تشديد القيود على حركة الطيران فوق مناطق معينة، ما من شأنه إعادة رسم خريطة الملاحة الجوية في الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة.
وفي كل الأحوال، يبقى قرار الإمارات بإغلاق مجالها الجوي في هذه اللحظة الحاسمة مؤشرًا دالًا على حجم القلق الإقليمي من انزلاق المواجهة بين إسرائيل وإيران إلى مستويات غير مسبوقة، قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من ميادين القتال، لتطال سماء المنطقة واقتصادها وشبكات تواصلها مع العالم.









