دخلت إيران، اليوم السبت ٢٨ فبراير، في ما يشبه «العزلة الرقمية» بعد توقف شبه كامل لخدمات الإنترنت وتعطل واسع في شبكات الهواتف المحمولة والبث التلفزيوني، بالتزامن مع الضربة الإسرائيلية الواسعة التي استهدفت العاصمة طهران وعدة مدن أخرى في البلاد
المشهد الذي رسمته الساعات الأولى للهجوم لم يكن فقط دوي انفجارات وصفارات إنذار، بل أيضًا اختفاء تدريجي لوسائل الاتصال الحديثة، في خطوة تعكس حجم التوتر الأمني ومحاولة السلطات التحكم في تدفق المعلومات داخل إيران وخارجها.
منظمة «نت بلوكس» الدولية، المعنية بمراقبة أمن الشبكات وحرية الإنترنت، أعلنت أن بياناتها تظهر انحدار مستوى الاتصال بالشبكة داخل إيران إلى نحو ٤٪ فقط من المعدلات المعتادة، وهو ما يعني عمليًا انقطاعًا شبه كامل للإنترنت في عموم البلاد.
وأوضحت المنظمة أن هذا الانقطاع يتزامن بشكل مباشر مع العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل، بمشاركة أمريكية محتملة، ضد أهداف إيرانية، في تكرار لنمط سبق أن اتبعته طهران خلال مواجهات واحتجاجات داخلية سابقة.
هواتف صامتة وشبكات مرتبكةفي موازاة ذلك، أفادت وسائل إعلام إيرانية وإقليمية بوجود انقطاعات واسعة في خدمات الهواتف المحمولة وشبكات الاتصالات في مناطق متفرقة من العاصمة طهران، خاصة في الأحياء القريبة من المواقع المستهدفة بالغارات الإسرائيلية
ونقلت تقارير عن شهود عيان قولهم إن القدرة على إجراء المكالمات أو استخدام بيانات الهاتف المحمول تراجعت بشكل حاد منذ لحظات الهجوم الأولى، ما أحدث حالة من الارتباك بين السكان الذين حاولوا الاطمئنان على ذويهم أو متابعة ما يجري عبر التطبيقات والمنصات الإخبارية.
مصادر غربية رجّحت أن تكون هذه الانقطاعات جزءًا من تدابير أمنية اتخذتها أجهزة الدولة، سواء لمنع التنسيق والتنظيم عبر تطبيقات التواصل في حال اندلاع احتجاجات أو فوضى، أو لتقييد وصول الصور والمقاطع الفورية من مواقع الانفجارات إلى الإعلام العالمي.
وتشير سوابق عدة، من بينها ما وثقته منظمات حقوقية في السنوات الأخيرة، إلى أن السلطات الإيرانية دأبت على استخدام سلاح قطع الإنترنت أو تعطيل الاتصالات في اللحظات الحرجة، سواء خلال موجات الاحتجاج أو العمليات العسكرية.
شاشات تلفزيونية تنطفئلم يتوقف الأمر عند الإنترنت والهواتف، إذ تحدثت تقارير إعلامية عن تعرّض منشآت إعلامية في إيران لضغوط مباشرة، سواء أمنية أو عسكرية، تسببت في انقطاع أو اضطراب البث لبعض القنوات التلفزيونية الرسمية لفترات متفاوتة.
ففي سوابق قريبة، كان التلفزيون الإيراني قد تعرّض لانقطاع مؤقت في بثه إثر استهداف مباشر لمنشآت تابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون من قبل غارات إسرائيلية، وهو سيناريو يخشى مراقبون تكراره أو توسعه في ضوء تصاعد المواجهة الحالية.
ويُنظر إلى وسائل الإعلام الرسمية في طهران باعتبارها جزءًا من «الآلة الدعائية» للنظام، ما يضعها في مرمى التهديدات الإسرائيلية خلال جولات التصعيد.
في هذه الأجواء، يجد المواطن الإيراني نفسه في مواجهة ثلاثة مستويات من العتمة: عتمة الانفجارات في السماء، وعتمة المعلومات على الشاشة، وعتمة الصمت في شبكات الاتصالات، ما يزيد من حالة القلق وعدم اليقين بشأن حقيقة ما يجري خارج النطاق الضيق الذي يمكنه رؤيته بعينه المجردة.
عزل داخلي أم تحصين أمني؟الباحثون في شؤون الفضاء السيبراني يرون أن قطع الإنترنت وخدمات المحمول بهذا الشكل الشامل يتجاوز كونه إجراءً فنّيًا إلى كونه أداة سياسية وأمنية في يد السلطات، تُستخدم لضبط الشارع والتحكم في الرواية الرسمية في لحظة أزمة.
فمع كل دقيقة تمر دون اتصال بالعالم الخارجي، تتقلص قدرة الإيرانيين على مشاركة الصور والمعلومات، وتتسع مساحة الرواية التي تسعى الدولة لفرضها عبر قنواتها الرسمية.
في المقابل، تحاجج طهران، في مناسبات سابقة، بأن هذه القيود تأتي تحت عنوان «حماية الأمن القومي» ومنع «استغلال شبكات الاتصال من قبل الأعداء لأغراض عسكرية» أو لترويج ما تصفه بـ«الحرب النفسية» ضد البلاد.
بيانات رسمية سابقة لوزارة الاتصالات الإيرانية والحرس الثوري تحدثت بشكل واضح عن «إساءة استخدام الاتصالات الوطنية» خلال هجمات أو احتجاجات، لتبرير قرارات الإغلاق أو التشديد على التطبيقات الأجنبية، وهو ما يمنح صورة تقريبية عن الذهنية التي تتحكم في القرارات المتخذة اليوم عقب الضربة الإسرائيلية.
تداعيات إنسانية وتقنية واسعة
على المستوى الإنساني، يؤكد نشطاء أن أول المتضررين من هذا «الظلام الرقمي» هم المدنيون، الذين يفقدون القدرة على التواصل مع أقاربهم في المدن الأخرى، أو طلب المساعدة، أو حتى الوصول للمعلومات الأساسية بشأن مناطق آمنة أو تعليمات الطوارئ.
كما تتأثر الخدمات الحيوية التي تعتمد على الاتصال بالإنترنت والاتصالات الحديثة، من البنوك إلى المستشفيات وشبكات الإمداد بالوقود والمواد الغذائية، في وقت تتحدث فيه تقارير عن طوابير على محطات الوقود وبعض المتاجر في طهران بسبب حالة الهلع.
أما على المستوى التقني، فيشير خبراء الشبكات إلى أن خفض الاتصال إلى مستويات متدنية بهذا الشكل غالبًا ما يتم عبر إجراءات مركزية، من خلال مزودي الخدمة الرئيسيين المملوكين للدولة أو الخاضعين لسيطرتها، ما يجعل استعادة الخدمة مرهونة بقرار سياسي وأمني بالدرجة الأولى، وليس بعوامل فنية فقط.
وغالبًا ما تعود الخدمات تدريجيًا، على مراحل، مع بقاء القيود على تطبيقات أو منصات محددة تعتبرها السلطات مصدر تهديد أو أداة لتنظيم الاحتجاجات.
صراع على السماء… وعلى الفضاء الإلكتروني
المشهد الإيراني اليوم يعكس تداخل ساحات الصراع بين الأرض والجو والفضاء الإلكتروني؛ فبينما تتساقط الصواريخ في السماء، تقطع السلطات الجسور الرقمية التي تربط الداخل بالعالم، في محاولة للتحكم في مسار الأزمة على جبهتي الميدان والمعلومات.
ومع استمرار الضربة الإسرائيلية واحتمالات الرد الإيراني، يرجّح مراقبون أن تبقى شبكات الاتصال تحت وطأة القيود المشددة، في انتظار لحظة سياسية وعسكرية تسمح بإعادة وصل ما انقطع.









