دخل البحر الأحمر، اليوم السبت ٢٨ فبراير، مرحلة جديدة من التوتر بعد أن قررت جماعة الحوثي في اليمن استئناف واستكمال هجماتها على السفن المارة في الممر البحري الحيوي، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة مباشرة للولايات المتحدة وإسرائيل، وردًا غير مباشر على الضربة الإسرائيلية الواسعة التي استهدفت إيران خلال الساعات الماضية.
القرار يضع واحدًا من أهم شرايين التجارة العالمية أمام تهديد متجدد، في وقت تغلي فيه المنطقة على وقع المواجهة العسكرية المفتوحة بين تل أبيب وطهران.
مسؤولان في جماعة الحوثي، المدعومة من إيران، أكدا لوكالة «أسوشيتد برس» أن الحركة ستستأنف الهجمات على السفن التي تمر في البحر الأحمر، بعد فترة من الانحسار النسبي للعمليات البحرية خلال الأشهر الماضية.
ووفق التصريحات المنقولة، فإن قرار العودة إلى استهداف السفن يأتي في ضوء «تطورات الحرب» واتساعها لتشمل مباشرة الأراضي الإيرانية، الحليف الإستراتيجي للجماعة، ما يرفع منسوب التوتر ويعيد التهديدات البحريّة إلى الواجهة.
ربط مباشر بين البحر الأحمر وطهرانيأتي هذا التطور بعد ساعات من إعلان إسرائيل تنفيذ هجوم واسع على أهداف داخل إيران، في عملية وصفت بأنها «وقائية» و«استباقية»، وسط حديث عن مشاركة أو دعم أمريكي.
ومع أن الحوثيين لم يصدروا بيانًا تفصيليًا يربط صراحة بين قرار استئناف الهجمات وبين الضربة على إيران حتى الآن، فإن توقيت الإعلان وطبيعة الخطاب السياسي للجماعة خلال الأشهر الماضية يوضحان هذا الترابط.
خلال جولات التصعيد السابقة في البحر الأحمر، حرص قادة الحوثيين، وعلى رأسهم عبد الملك الحوثي والمتحدث العسكري يحيى سريع، على تقديم عمليات استهداف السفن على أنها جزء من «محور المقاومة» وامتداد لمعركة غزة ضد إسرائيل، مع التأكيد في أكثر من خطاب على أن أي تصعيد ضد إيران أو حلفائها لن يمر دون رد من «الجبهة اليمنية».
وفي هذا السياق، تبدو العودة إلى تهديد الملاحة في البحر الأحمر بمثابة فتح جبهة ضغط جديدة على خصوم إيران، في محاولة لإرباك مسارات الحرب وتوسيع كلفتها الإستراتيجية.
من استهداف «السفن المرتبطة بإسرائيل» إلى تهديد أوسعالجماعة كانت قد أعلنت، في مراحل سابقة من التصعيد، ما وصفته بـ«المرحلة الرابعة» من عملياتها البحرية، متوعدة باستهداف كل السفن التابعة لأي شركة تتعامل مع الموانئ الإسرائيلية «بغض النظر عن جنسيتها»، وفي أي مكان يمكن أن تصل إليه صواريخها وطائراتها المسيّرة.
وفي بياناتها المصوّرة، كررت التأكيد على أن الحظر لا يقتصر على السفن الإسرائيلية فقط، بل يمتد إلى كل ناقلة أو سفينة شحن تعتبرها مرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بحركة التجارة مع إسرائيل.
ومع استئناف الهجمات اليوم، يخشى خبراء الملاحة البحرية من أن يتوسع نطاق الاستهداف ليشمل سفنًا ذات ملكيات متعددة أو وجهات متشابكة، في ظل صعوبة تحديد «صلة السفينة بإسرائيل» في شبكة تجارة عالمية معقدة.
وهذا الاحتمال، إن تحقق، قد يعني أن قرار الحوثيين يشكل تهديدًا عامًا لكل حركة التجارة المارة عبر البحر الأحمر، وليس فقط للسفن ذات الصبغة أو الوجهة الإسرائيلية.
تهديد مباشر لشريان التجارة العالمية
البحر الأحمر يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة العالم، بما في ذلك إمدادات الطاقة القادمة من الخليج باتجاه أوروبا وأمريكا.
وفي ذروة التصعيد الحوثي خلال ٢٠٢٣ و٢٠٢٤، اضطرت عشرات شركات الشحن العالمية إلى تحويل مسار سفنها بعيدًا عن باب المندب، والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليف الشحن بشكل كبير، وانعكس على أسعار السلع وسلاسل التوريد.
استئناف الهجمات الآن، وفي توقيت حساس تتداخل فيه الحرب الإسرائيلية – الإيرانية مع توترات قائمة في غزة وأماكن أخرى، يهدد بإعادة سيناريو «أزمة البحر الأحمر» إلى الواجهة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية عالمية وضغوط إضافية على أسواق الطاقة والشحن البحري والتأمين.
وتخشى شركات التأمين من ارتفاع جديد في أسعار وثائق التغطية للسفن التي تواصل عبور هذا الممر، ما قد يدفع مزيدًا من الشركات إلى إعادة حساباتها بشأن جدوى المرور عبره في الوقت الراهن.
حسابات الحوثيين ورسائلهم
على المستوى السياسي، يعكس القرار الحوثي رغبة في تثبيت موقع الجماعة كفاعل إقليمي قادر على التأثير في مسارات الصراع خارج حدود اليمن، عبر التحكم في بوابة بحرية استراتيجية مثل باب المندب.
فكل عملية استهداف ناجحة لسفينة، خاصة إذا كانت ذات صلة بإسرائيل أو بحلفائها، تُقدَّم على أنها «نصرة لفلسطين» و«رد على العدوان»، ما يمنح الحركة هامشًا من الشعبية داخل جزء من الرأي العام في المنطقة، ويزيد من قيمتها لدى طهران ضمن معادلة «محور المقاومة».
في المقابل، يُنظر إلى هذه الهجمات في العواصم الغربية على أنها اعتداء مباشر على حرية الملاحة الدولية، وتحدٍّ للوجود العسكري الأمريكي والبريطاني في البحر الأحمر، ما يفتح الباب أمام جولات جديدة من الضربات الجوية ضد مواقع حوثية داخل اليمن، كما حدث مرارًا خلال العامين الماضيين.
ويضع ذلك المنطقة أمام حلقة تصعيد متبادل: هجمات على السفن تجر ضربات جوية، تعقبها تهديدات أوسع من الحوثيين باستهداف المزيد من السفن، في دوامة يصعب التنبؤ بنهايتها.
سيناريوهات التصعيد المقبلة
مع دخول عامل الضربة الإسرائيلية لإيران على خط الأزمة، تبدو احتمالات التهدئة محدودة في المدى القريب، في ظل خشية من أن تتحول مياه البحر الأحمر إلى ساحة مباشرة من ساحات المواجهة بين طهران وحلفائها من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.
وإذا مضى الحوثيون فعلًا في تنفيذ تهديدهم باستهداف «أي سفينة» تمر في البحر الأحمر ترتبط بإسرائيل أو بحلفائها، فقد يشهد الممر البحري واحدة من أخطر موجات الاضطراب في تاريخه الحديث.
في هذه الأثناء، تترقب شركات الشحن العالمية، ومعها العواصم الإقليمية والدولية، كيفية ترجمة القرار الحوثي على الأرض خلال الأيام والساعات المقبلة، وما إذا كانت الضربات الإسرائيلية لإيران ستفتح الباب أمام جبهة بحرية مشتعلة تزيد من تعقيد مشهد الشرق الأوسط المضطرب أصلًا.










