في ساعة بدت فيها سماء الشرق الأوسط مفتوحة على كل الاحتمالات، وجدت سلطنة عمان نفسها أمام اختبار دقيق بين موقعها الجغرافي الحساس في جوار إيران، ودورها التقليدي كوسيط هادئ في أزمات المنطقة.
ومع بدء الضربات الأميركية الإسرائيلية على أهداف داخل العمق الإيراني، توالت قرارات إغلاق مجالات جوية وتعليق رحلات في عدد من دول المنطقة، لتنعكس مباشرة على حركة الطيران عبر الأجواء العمانية ومطار مسقط الدولي
التطورات المتسارعة بدأت مع إعلان إيران إغلاق مجالها الجوي بالكامل حتى إشعار آخر، عقب سماع دوي انفجارات قوية في العاصمة طهران وعدة مدن أخرى، في خطوة وُصفت بأنها إجراء أمني لحماية الطيران المدني والتعامل مع «وضع عسكري استثنائي».
وبالتوازي، أغلقت دول أخرى مجالاتها الجوية أو فرضت قيودًا صارمة على العبور، من بينها العراق وإسرائيل، ما خلق موجة ارتباك واسعة في شبكة الطيران المدني بالشرق الأوسط.
في هذا المناخ، أعلنت «مطارات عُمان» للمسافرين عن تأثر الرحلات عبر مطار مسقط الدولي، مشيرة إلى أن التطورات الراهنة في دول المنطقة والإغلاقات الجوية المتتالية دفعت إلى تعديل مسارات بعض الرحلات، وتعليق أو تأخير رحلات أخرى لحين اتضاح الصورة الأمنية في الأجواء المحيطة
وأكدت الجهات العمانية المختصة أن الأولوية القصوى هي «سلامة المسافرين والطواقم الجوية»، وأن كل القرارات المتخذة تأتي في إطار الإجراءات الاحترازية المتعارف عليها في أوقات الأزمات.
شركة «الطيران العُماني» من جانبها أعلنت عن تعليق أو تأخير عدد من الرحلات، موضحة أن استمرار إغلاق مجالات جوية في المنطقة، خاصة فوق إيران والعراق، فرض إعادة تقييم شاملة لمسارات الطيران التي تمر تقليديًا عبر هذه الأجواء في طريقها إلى وجهات آسيوية وأوروبية.
كما دعت المسافرين إلى متابعة حالة رحلاتهم عبر الموقع الإلكتروني والقنوات الرسمية قبل التوجه إلى المطار، في ظل احتمالات التغيير المفاجئ في الجداول بسبب المستجدات الميدانية.
القرارات العمانية، وإن لم تُعلن في صيغة «إغلاق شامل للمجال الجوي الوطني»، إلا أنها عكست عمليًا حالة من «التحييد الوقائي» لأجواء السلطنة عن مسارات التوتر العسكري المباشر فوق إيران وحولها.
فمع توقف إمكانية استخدام الأجواء الإيرانية كممر رئيسي للطيران المدني، اضطرت شركات عديدة لإعادة رسم خرائط رحلاتها، إما بتطويل المسارات عبر أجواء أبعد، أو بتعليق الرحلات من الأساس إلى حين عودة الاستقرار النسبي.
التأثير لم يقتصر على الرحلات المباشرة بين مسقط وطهران أو المدن الإيرانية فحسب، بل امتد إلى حركة الطيران العابرة (الترانزيت) التي تعتمد على الأجواء الإيرانية والعراقية كجزء من مساراتها بين أوروبا وآسيا.
ومع إغلاق ثلاثة مجالات جوية محورية في وقت واحد تقريبًا – إيران والعراق وإسرائيل – بدا المشهد أشبه بـ«فراغ جوي» واسع في قلب المنطقة، دفع بعض شركات الطيران العالمية إلى إلغاء أو تحويل عشرات الرحلات دفعة واحدة.
ورغم أن سلطنة عمان ليست طرفًا مباشرًا في المواجهة العسكرية الدائرة، فإن موقعها المطل على بحر عمان وقربها من مضيق هرمز يجعل من أجوائها عنصرًا أساسيًا في معادلة الملاحة الجوية والبحرية على حد سواء.
وخلال السنوات الماضية، حرصت مسقط على تقديم نفسها كجسر تواصل بين طهران والغرب، واحتضنت جولات تفاوض حساسة بين إيران والولايات المتحدة لتجنيب المنطقة شبح الحرب، وهو ما تجدد مؤخرًا مع الإعلان عن «تقدم مهم» في جولة مفاوضات غير مباشرة بوساطة عمانية.
لكن الأجواء اليوم تنقل صورة أكثر توترًا؛ فمع تحليق طائرة استطلاع أميركية فوق جنوب إيران، واستمرار الهجمات الإسرائيلية على أهداف داخل البلاد، جاءت الإغلاقات الجوية المتتالية لتؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من التصعيد تتجاوز «حرب الرسائل» إلى مواجهة عسكرية مفتوحة على المجهول.
في هذا السياق، يصبح أي قرار عماني بتشديد الرقابة على المجال الجوي، أو الحد من حركة الطيران، جزءًا من استراتيجية أوسع لتفادي أن تتحول سماء السلطنة إلى مسرح لأي احتكاك عسكري أو حادث عرضي.
على الصعيد الإنساني والاقتصادي، تركت هذه الإجراءات أثرًا مباشرًا على المسافرين وشركات الطيران على حد سواء؛ عشرات الركاب وجدوا أنفسهم بين تأجيل مفاجئ، أو تحويل إلى وجهات بديلة، أو اضطرار لإعادة حجز رحلات جديدة بعد إلغاء بعض الخطوط بالكامل في اللحظات الأخيرة.
أما شركات الطيران، فتواجه كلفة إضافية ناجمة عن المسارات الأطول واستهلاك وقود أكبر، فضلًا عن ضرورة تأمين أطقم عمل إضافية للتعامل مع جداول تشغيل مرتبكة بفعل التطورات الأمنية.
ورغم الصورة القاتمة التي ترسمها شاشات رادارات الطيران اليوم، تراهن مسقط على أن دورها السياسي الهادئ يمكن أن يساهم في خفض التوتر تدريجيًا، بما يتيح إعادة فتح المسارات الجوية المغلقة واستعادة حركة الطيران لطبيعتها.
وحتى يتحقق ذلك، تبقى سياسة «الحياد النشط» العمانية متجسدة في مزيج من الحذر الأمني في السماء، والحراك الدبلوماسي على الأرض، في محاولة لحماية المجال الجوي للسلطنة ومسافريها من ارتدادات المواجهة المشتعلة فوق إيران.










